لِدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُ لَا لِمَعْنَى فِيهِ، أَشْبَهَ حَلْقَ الشَّعْرِ لِأَذَى بِرَاسِهِ. النَّوْعُ الثَّانِي، إذَا صَالَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إلَّا بِقَتْلِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ قَتْلَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى أَكْلِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَيَوَانٌ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَالْآدَمِيِّ الصَّائِلِ، وَلِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ طَبْعًا، فَصَارَ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْشَى مِنْهُ التَّلَفَ أَوْ يَخْشَى مِنْهُ مَضَرَّةً، كَجَرْحِهِ، أَوْ إتْلَافِ مَالِهِ، أَوْ بَعْضِ حَيَوَانَاتِهِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ، إذَا خَلَّصَ صَيْدًا مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةِ صَيَّادٍ، أَوْ أَخَذَهُ لِيُخَلِّصَ مِنْ رِجْلِهِ خَيْطًا، وَنَحْوَهُ فَتَلِفَ بِذَلِكَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ. وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّهُ عَدِمَ الْقَصْدَ إلَى قَتْلِهِ، فَأَشْبَهَ قَتْلَ الْخَطَأِ. وَلَنَا، أَنَّهُ فِعْلٌ أُبِيحَ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، كَمَا لَوْ دَاوَى وَلِيُّ الصَّبِيِّ الصَّبِيَّ فَمَاتَ بِذَلِكَ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُتَعَمِّدٍ، فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ.
(7805) فَصْلٌ: وَهَلْ يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمُضْطَرِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَجِبُ. وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمُضْطَرِّ يَجِدُ الْمَيْتَةَ، وَلَمْ يَاكُلْ؟ فَذَكَرَ قَوْلَ مَسْرُوقٍ: مَنْ اُضْطُرَّ، فَلَمْ يَاكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، فَمَاتَ، دَخَلَ النَّارَ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . وَتَرْكُ الْأَكْلِ مَعَ إمْكَانِهِ فِي هَذَا الْحَالِ إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} . وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ بِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ حَلَالٌ. وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ طَاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَهُ فِي بَيْتٍ، وَجَعَلَ مَعَهُ خَمْرًا مَمْزُوجًا بِمَاءٍ، وَلَحْمَ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٍّ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَاكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، حَتَّى مَالَ رَاسُهُ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَخَشُوا مَوْتَهُ، فَأَخْرَجُوهُ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي؛ لِأَنِّي مُضْطَرٌّ، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشْمِتَك بِدِينِ الْإِسْلَامِ. وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ رُخْصَةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الرُّخَصِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ، وَالْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ، وَرُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ، وَفَارَقَ الْحَلَالَ فِي الْأَصْلِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِ مَنْ يَلِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبْعَدُ أَشَدَّ خَطَرًا. وَيَجِبُ التَّرَبُّصُ إذَا كَثُرَ الْعَدُوُّ وَقَلَّ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى تَحْصُلَ الْكَثْرَةُ لِلْمُقَاوَمَةِ ثُمَّ يَجِبُ الْمُبَادَرَةُ. وَلَا يَبْدَءُونَ إلَّا: بَعْدَ الدُّعَاءِ إلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ، وَيَكُونُ الدَّاعِيَ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ نَصَبَهُ. وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الدَّعْوَةِ فِيمَنْ عَرَفَهَا، وَلَا يَجُوزُ الْفِرَارُ، إذَا كَانَ الْعَدُوُّ عَلَى الضَّعْفِ [مِنْ الْمُسْلِمِينَ] ، أَوْ أَقَلَّ، إلَّا لِمُحْتَرِفٍ: كَطَالِبِ السَّعَةِ، أَوْ مَوَارِدِ الْمِيَاهِ، أَوْ اسْتِدْبَارِ الشَّمْسِ، أَوْ تَسْوِيَةِ لَامَتِهِ، أَوْ لِمُتَحَيِّزٍ: إلَى فِئَةٍ، قَلِيلَةً كَانَتْ أَوْ كَثِيرَةً. وَلَوْ غَلَبَ عِنْدَهُ الْهَلَاكُ لَمْ يَجُزْ الْفِرَارُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لقوله تعالى: {إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} . وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ الثَّبَاتُ. وَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ السَّلَامَةُ اُسْتُحِبَّ. وَإِنْ غَلَبَ الْعَطَبُ، قِيلَ: يَجِبُ الِانْصِرَافُ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ أَشْبَهُ. وَلَوْ انْفَرَدَ اثْنَانِ، بِوَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجِبْ الثَّبَاتُ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ. وَيَجُوزُ مُحَارَبَةُ الْعَدُوِّ بِالْحِصَارِ، وَمَنْعِ السَّابِلَةِ، دُخُولًا وَخُرُوجًا، وَبِالْمَجَانِيقِ، وَهَدْمِ الْحُصُونِ وَالْبُيُوتِ، وَكُلِّ مَا يُرْجَى بِهِ الْفَتْحُ. وَيُكْرَهُ: قَطْعُ الْأَشْجَارِ، وَرَمْيُ النَّارِ، وَتَسْلِيطُ الْمِيَاهِ إلَّا مَعَ الضَّرُورَةِ. وَيَحْرُمُ: بِإِلْقَاءِ السُّمِّ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهُوَ أَشْبَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْفَتْحُ