فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 396

أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا فِي مُسَايَفَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا الصِّيَاحُ، وَالْحَدَثُ، فَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَيْهِ، وَيُمْكِنُهُمْ التَّيَمُّمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُبْطِلًا مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ أَنْ يُبْطِلَ مَعَهُ، كَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ. وَإِنْ هَرَبَ مِنْ الْعَدُوِّ هَرَبًا مُبَاحًا، أَوْ مِنْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ حَرِيقٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ بِدُونِ الْهَرَبِ. فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، سَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ أَهْلِهِ. وَالْأَسِيرُ إذَا خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ إنْ صَلَّى، وَالْمُخْتَفِي فِي مَوْضِعٍ، يُصَلِّيَانِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْأَسِيرِ. وَلَوْ كَانَ الْمُخْتَفِي قَاعِدًا لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ، أَوْ مَضْجَعًا لَا يُمْكِنُهُ الْقُعُودُ، وَلَا الْحَرَكَةُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي وَيُعِيدُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ خَائِفٌ صَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ كَالْهَارِبِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ خَوْفُ الْهَلَاكِ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ، وَمَتَى أَمْكَنَ التَّخَلُّصُ بِدُونِ ذَلِكَ، كَالْهَارِبِ مِنْ السَّيْلِ يَصْعَدُ إلَى رَبْوَةٍ، وَالْخَائِفِ مِنْ الْعَدُوِّ يُمْكِنُهُ دُخُولُ حِصْنٍ يَامَنُ فِيهِ صَوْلَةَ الْعَدُوِّ، وَلُحُوقَ الضَّرَرِ، فَيُصَلِّي فِيهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، فَاخْتَصَّتْ بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ. (1459) فَصْلٌ: وَالْعَاصِي بِهَرَبِهِ كَاَلَّذِي يَهْرُبُ مِنْ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ، وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ، وَاللِّصُّ، وَالسَّارِقُ، لَيس لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَحَلٍّ مُبَاحٍ، فَلَا تَثْبُتُ بِالْمَعْصِيَةِ، كَرُخَصِ السَّفَرِ. (1460) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ أَنْ يُصَلُّوا فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ جَمَاعَةً، رِجَالًا، وَرُكْبَانًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، وَرُبَّمَا تَقَدَّمُوا الْإِمَامَ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ الِائْتِمَامُ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا حَالَةٌ يَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَجَازَ فِيهَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، كَرُكُوبِ السَّفِينَةِ، وَيُعْفَى عَنْ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، كَالْعَفْوِ عَنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ. وَلِمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُولَ: الْعَفْوُ عَنْ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَى الْعَمَلِ الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ لَا يَخْتَصُّ الْإِمَامَةَ، بَلْ هُوَ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ، كَحَالِ الِائْتِمَامِ، فَلَا يُؤَثِّرُ الِانْفِرَادُ فِي نَفْسِهِ بِخِلَافِ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ.

(2664) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا، فَدَاهُ بِنَظِيرِهِ مِنْ النَّعَمِ، إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ دَابَّةً) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ سِتَّةٌ (2665) ؛ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْجُمْلَةِ. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِهِ، وَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ {: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} . وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي الْجَزَاءِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، إلَّا الْحَسَنَ وَمُجَاهِدًا، قَالَا: إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ. وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} . وَالذَّاكِرُ لِإِحْرَامِهِ مُتَعَمِّدٌ، وَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ {: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} . وَالْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِمَا. وَقَتْلُ الصَّيْدِ نَوْعَانِ، مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ، فَالْمُحَرَّمُ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُبِيحُ قَتْلَهُ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ. وَالْمُبَاحُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يُضْطَرَّ إلَى أَكْلِهِ، فَيُبَاحَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . وَتَرْكُ الْأَكْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَمَتَى قَتَلَهُ ضَمِنَهُ، سَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ، أَشْبَهَ صَيْدَ الْبَحْرِ. وَلَنَا، عُمُومُ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ الصَّيْدِ يَقْتَضِي قَتْلَهُ، فَضَمِنَهُ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت