إنَّ فِي قوله تعالى {وَتَزَوَّدُوا} إلَخْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ زَادُ الْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ {خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} وَلَمْ يَقُلْ حُطَامَ الدُّنْيَا وَأَسْبَابَهَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ قَوْمٌ لَا يَاخُذُونَ زَادًا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لِأَنْفُسِهِمْ اتِّكَالًا عَلَى النَّاسِ وَيَسْأَلُونَ النَّاسَ وَيَشْكُونَ وَيُلِحُّونَ وَيُؤْذُونَ النَّاسَ فَأُمِرُوا بِالزَّادِ أَمْرَ تَنْبِيهٍ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الزَّادِ مِنْ مَالِكٍ خَيْرٌ مِنْ أَخْذِ مَالِ النَّاسِ وَالِاتِّكَالِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ ا هـ، وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَعَلَى أَنَّ إجَازَةَ الْأَصْلِ دُعَاءُ مَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ بِخِرَقِ الْعَادَةِ إجَازَةٌ لِلدُّعَاءِ بِخَرْقِ الْعَادَةِ فَكُلُّ مَا أَنْكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِذَا أَجَازَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَقَدْ أَجَازَ عَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَصِحُّ لَهُ مَنْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْثِيرِهِ الْأَمْثِلَةَ ا هـ، وَقَدْ أَطَالَ الْغَزَالِيُّ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ فِي مِنْهَاجِهِ إلَى أَنْ قَالَ وَلَعَلَّك تَقُولُ أَطْنَبْت فِي هَذَا الْفَصْلِ خِلَافَ شَرْطِ الْكِتَابِ فَأَقُولُ لَعَمْرُ اللَّهِ إنَّهُ لَقَلِيلٌ فِي جَنْبِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى إذْ هُوَ أَهَمُّ شَانًا فِي الْعِبَادَةِ بَلْ عَلَيْهِ مَدَارُ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْعُبُودِيَّةِ فَمَنْ لَهُ هِمَّةٌ فِي هَذَا الشَّانِ فَلْيَسْتَمْسِكْ بِذَلِكَ وَلْيُرَاعِهِ حَقَّهُ وَإِلَّا فَهُوَ عَنْ الْمَقْصُودِ بِمَعْزُولٍ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى بَصِيرَةِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ أَنَّهُمْ بَنَوْا أَمْرَهُمْ عَلَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّفَرُّغِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَقَطْعِ الْعَلَائِقِ كُلِّهَا فَكَمْ صَنَّفُوا مِنْ كِتَابٍ وَكَمْ أَوْصَوْا بِوَصِيَّةٍ وَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُمْ أَعْوَانًا مِنْ السَّادَةِ وَأَصْحَابًا حَتَّى يَتَمَشَّى لَهُمْ مِنْ الْخَيْرِ الْمَحْضِ مَا لَمْ يَتَمَشَّ لِطَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْأَئِمَّةِ الْأَزْهَادِ الْكَرَامِيَّةِ فَإِنَّهُمْ بَنَوْا مَذَاهِبَهُمْ عَلَى أُصُولٍ غَيْرِ مُسْتَقِيَةٍ وَمَا زِلْنَا أَعِزَّةً مَا دُمْنَا عَلَى مِنْهَاجِ أَئِمَّتِنَا ا هـ الْمُرَادُ مِنْهُ.
بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ): أَمَّا الْبَاءُ فَلِلْإِلْصَاقِ هُوَ مَعْنَاهُ بِدَلَالَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ وَلِيَكُونَ مَعْنًى تَخُصُّهُ هُوَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلِهَذَا صَحِبَتْ الْبَاءُ الْأَثْمَانَ فِيمَنْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِكُرٍّ مِنْ حِنْطَةٍ وَوَصْفُهَا أَنَّ الْكُرَّ ثَمَنٌ يَصِحُّ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْكُرِّ فَقَالَ اشْتَرَيْت مِنْك كُرَّ حِنْطَةٍ وَوَصْفُهَا بِهَذَا الْعَبْدِ أَنَّهُ يَصِيرُ سَلَمًا لَا يَصِحُّ إلَّا مُؤَجَّلًا وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْبَيْعَ إلَى الْعَبْدِ جَعَلَهُ أَصْلًا وَأَلْصَقَهُ بِالْكُرِّ فَصَارَ الْكُرُّ شَرْطًا يُلْصَقُ بِهِ الْأَصْلُ وَهَذَا حَدُّ الْأَثْمَانِ الَّتِي هِيَ شُرُوطٌ وَاتِّبَاعٌ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ إنْ أَخْبَرْتنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ فَعَبْدِي حُرٌّ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْحَقِّ لِأَنَّ مَا صَحِبَهُ الْبَاءُ لَا يَصْلُحُ مَفْعُولَ الْخَبَرِ وَلَكِنَّ مَفْعُولَ الْخَبَرِ مَحْذُوفٌ بِدَلَالَةِ حَرْفِ الْإِلْصَاقِ كَمَا يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ أَيْ بَدَات بِهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ أَخْبَرْتنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْكَذِبَ أَيْضًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْغُولٍ بِالْبَاءِ فَصَلَحَ مَفْعُولًا وَأَنَّ مَا بَعْدَهَا مَصْدَرٌ وَمَعْنَاهُ إنْ أَخْبَرْتنِي خَبَرًا مُلْصَقًا بِقُدُومِهِ وَالْقُدُومُ اسْمٌ لِفِعْلِ وُجُودٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ أَخْبَرْتنِي قُدُومَهُ وَمَفْعُولُ الْخَبَرِ كَلَامٌ لَا فِعْلٌ فَصَارَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي التَّكَلُّمَ بِقُدُومِهِ وَذَلِكَ دَلِيلُ الْوُجُودِ لَا مُوجِبَ لَهُ لَا مَحَالَةَ وَلِهَذَا قَالُوا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَبِإِرَادَتِهِ أَنَّهُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّ الْإِلْصَاقَ يُؤَدِّي مَعْنَى الشَّرْطِ وَيُفْضِي إلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَخَوَاتُهَا عَلَى مَا قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} حَتَّى أَوْجَبَ مَسْحَ بَعْضِ الرَّاسِ وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله الْبَاءُ صِلَةٌ لِأَنَّ الْمَسْحَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ فَيُؤَكَّدُ بِالْبَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} فَيَصِيرُ تَقْدِيرُهُ وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ وَقُلْنَا أَمَّا الْقَوْلُ بِالتَّبْعِيضِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَالْمَوْضُوعُ لِلتَّبْعِيضِ كَلِمَةُ (مِنْ) وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّكْرَارَ وَالِاشْتِرَاكَ لَا يَثْبُتُ فِي الْكَلَامِ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْعَوَارِضِ فَلَا يُصَارُ إلَى إلْغَاءِ الْحَقِيقَةِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى التَّوْكِيدِ إلَّا بِضَرُورَةٍ بَلْ هَذِهِ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ فِي آلَةِ الْمَسْحِ كَانَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلَى مَحَلِّهِ كَمَا تَقُولُ مَسَحْت الْحَائِطَ بِيَدِي فَيَتَنَاوَلُ كُلَّهُ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى جُمْلَتِهِ وَمَسَحْت رَاسَ الْيَتِيمِ بِيَدِي وَإِذَا دَخَلَ حَرْفُ الْإِلْصَاقِ فِي مَحَلِّ الْمَسْحِ بَقِيَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلَى الْآلَةِ وَتَقْدِيرُهُ وَامْسَحُوا أَيْدِيَكُمْ بِرُءُوسِكُمْ أَيْ أَلْصِقُوهَا بِرُءُوسِكُمْ فَلَا تَقْتَضِي