فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 396

أَيْضًا إنْ كَانُوا مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَحْوَالٌ لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهَا وَإِلَّا لَحِقَهُمْ الْعَيْبُ لِارْتِكَابِهِمْ حِينَئِذٍ لِمَمْنُوعٍ فَمَا بَالُ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ حَكَمُوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ هَذَا الْأَخِيرِ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَلَيْسَ ذَلِكَ إسَاءَةَ ظَنٍّ فِي مَوْطِنٍ يُمْكِنُ فِيهِ تَحْسِينُهُ وَعَدَمُ إسَاءَتِهِ فَيُظَنُّ أَنَّهُمْ ظَانُّونَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ بَلْ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ وَأَنَّهُ كَمَا لَا يُنَافِي التَّسَبُّبَ كَذَلِكَ لَا يُنَافِي عَدَمَ التَّسَبُّبِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّسَبُّبِ إذْ مَسَاقُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّوَكُّلَ يَصِحُّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَمَعَ عَدَمِهِ، وَمَا عَدَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى التَّوَكُّلِ مَعَ التَّسَبُّبِ إلَّا لِأَنَّهُ الْمُعَلِّمُ الْمُقْتَدَى بِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْخَوَاصِّ بَلْ يَعُمُّهُمْ وَغَيْرَهُمْ، وَالْجُمْهُورُ قَلَّمَا تَطْمَئِنُّ نُفُوسُهُمْ إلَّا مَعَ التَّسَبُّبِ. ا هـ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَقَدْ سَمِعْت أَبَا الْمَعَالِي رحمه الله تعالى يَقُولُ إنَّ مَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَادَةِ النَّاسِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى مَا هُوَ عَادَةُ النَّاسِ فِي كِفَايَةِ الْمُؤْنَةِ وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ جِدًّا وَفِيهِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا ا هـ بِلَفْظِهِ قُلْت يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ كِفَايَةَ الْمُؤْنَةِ بِالسَّبَبِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ بِالسَّبَبِ وَمَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ كِفَايَتَهَا بِدُونِ السَّبَبِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ بِدُونِ السَّبَبِ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْغَالِبِ لَا عَلَى النَّادِرِ مَعَ أَنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ التَّوَكُّلَ، وَإِنْ صَحَّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَعَدَمِهِ فَالتَّوَكُّلُ مَعَ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْحَاجَةِ لِتَعْلِيمِ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ وَلَا مِنْهُ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعِصْمَتِهِ صلى الله عليه وسلم وَالتَّوَكُّلُ مَعَ عَدَمِ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ ا هـ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ مِنْهَاجُ الْعَابِدِينَ إنَّ أَخْذَ الزَّادِ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ لِمُقْتَدًى بِهِ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ أَخْذَ الزَّادِ مُبَاحٌ أَوْ يَنْوِيَ بِهِ عَوْنَ مُسْلِمٍ أَوْ إغَاثَةَ مَلْهُوفٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِهِ لِمَنْ كَانَ مُنْفَرِدًا قَوِيَّ الْقَلْبِ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِشَغْلِهِ بِالزَّادِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَالشَّانُ إذًا فِي الْقَلْبِ لَا فِي حَمْلِ الزَّادِ وَتَرْكِهِ، فَكَمْ مِنْ حَامِلٍ لِلزَّادِ وَقَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الزَّادِ يَقُولُ الرِّزْقُ مَقْسُومٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى إنْ شَاءَ أَقَامَ بِنْيَتِي بِهَذَا أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ يَنْوِيَ بِحَمْلِهِ أَنْ يُعِينَ بِهِ مُسْلِمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَكَمْ مِنْ تَارِكٍ لِلزَّادِ وَقَلْبُهُ مَعَ الزَّادِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَحَمْلُ الزَّادِ مُبَاحٌ غَيْرُ حَرَامٍ لِوُقُوعِهِ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَذَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَإِنَّمَا الْحَرَامُ تَعْلِيقُ الْقَلْبِ بِالزَّادِ وَتَرْكُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَافْهَمْ ذَلِكَ ثُمَّ مَا ظَنُّك بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} أَعَصَاهُ فِي ذَلِكَ وَعَلَّقَ قَلْبَهُ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ؟ كَلًّا وَحَاشَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَلْ كَانَ قَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوَكُّلُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَمَرَهُ فَإِنَّهُ الَّذِي لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَى مَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ أَخْذُ الزَّادِ مِنْهُ وَمِنْ السَّلَفِ الصَّالِح بِنِيَّاتِ الْخَيْرِ لَا لِمَيْلِ قُلُوبِهِمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الزَّادِ وَالْمُعْتَبَرُ الْقَصْدُ عَلَى مَا أَعْلَمْنَاك فَافْهَمْ وَانْتَبِهْ ا هـ بِتَصَرُّفٍ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ بَيَانِ حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ الْمُعَامَلَةُ بِمُقْتَضَى شُمُولِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَسْبَابِ وَهُوَ عَيْنُ مَا عَابَ عَلَى الْعُبَّادِ حَيْثُ قَالَ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ فَقَوْلُهُ هُنَا مُنَاقِضٌ لِظَاهِرِهِ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ إنَّ قِلَّةَ الْأَدَبِ مَمْنُوعَةٌ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ مِنْ جُمْلَةِ قِلَّةِ الْأَدَبِ وقوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وقوله تعالى {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} لَيْسَ فِيهِمَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ طَلَبِ الْمُسْتَحِيلِ، وَإِنَّمَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ارْتِكَابِ الْعَمَلِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ مُغَايِرٌ لِطَلَبِ خَرْقِهَا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ أَحَدِهِمَا الْمَنْعُ مِنْ الْآخَرِ ا هـ قُلْت عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت