فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 396

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} ، وَالْخِطَابُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} أَيْ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْخِطَابُ أَيْضًا لِكَافَّتِهِمْ، وَعَدَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: تَرْكَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَدَمَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ بِاِتِّخَاذِ الْعُدَّةِ اللَّازِمَةِ لِلنَّصْرِ تَهْلُكَةً لِلنَّفْسِ، وَتَهْلُكَةً لِلْجَمَاعَةِ، فَالدَّعْوَةُ إلَى الْجِهَادِ فِي التَّوْجِيهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ تُلَازِمُهَا فِي الْأَغْلَبِ الْأَعَمِّ دَعْوَةٌ إلَى الْإِنْفَاقِ.

جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْمَاوَرْدِيُّ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} بِأَنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَهْلَكُوا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: لَا تُقْحِمُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: التَّهْلُكَةُ أَنْ تُمْسِكَ يَدَك عَنْ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالْعُدَّةُ بِمَا فِي الطَّوْقِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ تَرَكُوهَا أَثِمُوا جَمِيعًا، وَهِيَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَنُوطَةِ بِالْإِمَامِ وَتَلْزَمُ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْإِمَامِ: تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ، وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لَا يَظْفَرَ الْأَعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ فِيهَا مُحَرَّمًا، أَوْ يَسْفِكُونَ فِيهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ دَمًا، وَعَدَّ الْقُرْآنُ تَرْكَ الْعُدَّةِ لِلْحَرْبِ إعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ، فَقَالَ تَعَالَى: فِي شَانِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ اسْتَاذَنُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِأَعْذَارٍ وَاهِيَةٍ فِي عَدَمِ الْخُرُوجِ مَعَهُ فِي الْجِهَادِ: {لَا يَسْتَاذِنُك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إنَّمَا يَسْتَاذِنُك الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سِلَاحٌ) .

سُؤَالُ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ:

12 -الْأَصْلُ أَنَّ سُؤَالَ الْمَالِ، وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ أَيْ فِي الْمَسْئُولِ مِنْهُمَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ مُحَرَّمَةٍ: أَحَدُهَا: إظْهَارُ الشَّكْوَى. وَالثَّانِي: إذْلَالُ نَفْسِهِ، وَمَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ. وَالثَّالِثُ: إيذَاءُ الْمَسْئُولِ غَالِبًا. وَإِنَّمَا يُبَاحُ السُّؤَالُ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ الْمُهِمَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الضَّرُورَةِ. وَإِنْ كَانَ الْمُحْتَاجُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى التَّكَسُّبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ سَأَلَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ الْمَسْأَلَةِ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ خُمُوشٌ فِي وَجْهِهِ} . وَوَرَدَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ: {أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ، فَرَأَىنَا جَلَدَيْنِ، فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ} مَعْنَاهُ لَا حَقَّ لَهُمَا فِي السُّؤَالِ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ} يَعْنِي لَا يَحِلُّ السُّؤَالُ لِلْقَوِيِّ الْقَادِرِ عَلَى التَّكَسُّبِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ سَأَلَ فَأُعْطِيَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا} فَلَوْ كَانَ لَا يَحِلُّ التَّنَاوُلُ لَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم لَهُمَا ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ فَقِيرٌ هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَرَى أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى النَّهْيِ عَنْ السُّؤَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَفِي الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ حَرَامٌ، وَالثَّانِي يَحِلُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ، وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ، وَلَا يُؤْذِي الْمَسْئُولَ، وَإِلَّا حَرُمَ اتِّفَاقًا. وَإِذَا كَانَ الْمُحْتَاجُ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ، وَلَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ فَيَطُوفَ عَلَى الْأَبْوَابِ وَيَسْأَلَ، فَإِنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ كَانَ آثِمًا عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ يُوصِلُهُ إلَى مَا يُقَوِّمُ بِهِ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْكَسْبِ، وَلَا ذُلَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مُوسَى عليه السلام وَصَاحِبِهِ أَنَّهُمَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت