بين الإفراط والتفريط فيه وروى البيهقي في الشعبعن الحسنأنها البخل لأنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد فيكون النهي مؤكدا للأمر السابق وأختار البلخي أنها إقتحام الحرب من غير مبالاة وإيقاع النفس في الخطر والهلاك فيكون الكلام متعلقا ب (قاتلوا) نهيا عن الإفراط والتفريط في الشجاعة وأخرج سفيان بن عيينة وجماعة عن البراء بن عازب أنه قيل له: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) هو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل قال: لا ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيلقى بيديه فيقول: لا يغفر الله تعالى لي أبداوروى مثله عن عبيدة السلمانيوعليه يكون متعلقا بقوله سبحانه: (فإن الله غفور رحيم) وهو في غاية البعد ولم أر من صحح الخبر عن البراء رضي الله تعالى عنه سوى الحاكموتصحيحه لايوثق بهوظاهر اللفظ العموم وإلا لقاءتصير الشيء إلى جهة السفل وألقى عليه مسألة مجاز ويقال لكل من أخذ في عمل ألقى يديه إليه وفيه ومنه قول لبيد في الشمس: حتى إذا (ألقت) يدا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها وعدا بإلي لتضمنه معنى الإفضاء أو الإنهاء والباءمزيدة في المفعول لتأكيد معنى النهي لأن ألقييتعدى بنفسه كما في (فألقي موسى عصاه) وزيادتها في المفعول لا تنقاس والمراد بالايدي الأنفس مجازا وعبر بها عنها لأن أكثر ظهور أفعالها بها وقيل: تحتمل أن تكون زائدة والأيدي بمعناها والمعنى لا تجعلوا (التهلكة) آخذة بأيديكم قابضة إياها وأن تكون غير مزيدةوالأيديأيضا على حقيقتها ويكون المفعول محذوفا أي (لا تلقوا بأيديكم) أنفسكم (إلى التهلكة) وفائدة ذكرالأيديحينئذ التصريح بالنهي عن الإلقاء إليها بالقصد والإختيار و (التهلكة) مصدر كالهك والهلاك وليس في كلام العرب مصدر على تفعلةبضم العينإلا هذا في المشهور وحكى سيبويه عن العربتضرة وتسرةأيضا بمعنى الضرر والسرور وجوز أن يكون أصلهاتهلكة بكسر اللاممصدر هلك مشددا كالتجربة والتبصرة فأبدلت الكسرة ضمةوفيه أن مجيء تفعلةبالكسرمن فعل المشدد الصحيح الغير المهموز شاذ والقياس تفعيل وإبدال الكسرة بالضم من غير علةفي غاية الشذوذ وتمثيله بالجوارمضموم الجيمفي جوار مكسورها ليس بشيءإذ ليس ذلك نصا في الإبدال لجواز أن يكون بناء المصدر فيه على فعالمضموم الفاء شذوذايويده ما في الصحاح جاورته مجاورة وجوارا وجواراوالكسر أفصح وفرق بعضهم بين (التهلكة) والهلاك بأن الأول ما يمكن التحرز عنه والثاني ما لا يمكن وقيل: الهلاك مصدر و (التهلكة) نفس الشيء المهلك وكلا القولين خلاف المشهور وأستدل بالآية على تحريم الإقدام على ما يخاف منه تلف النفس وجواز الصلح مع الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين وأحسنوا أي بالعود على المحتاجقاله عكرمةوقيل: أحسنوا الظن بالله تعالى (وأحسنوا) في أعمالكم بإمتثال الطاعات ولعله أولى + (( إن الله يحب المحسنين 591)
*وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين [195] * هذه الجملة معطوفة على جملة *وقاتلوا في سبيل الله إلخ* فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله، فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع المسلمين لا خصوص المقاتلين.
ووجه الحاجة إلى هذا الأمر - مع أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي، لأنهم قد ملئت قلوبهم إيمانا بالله وثقة به، وملئت أسماعهم بوعد الله إياهم النصر وأخيرا بقوله: *واعلموا أن الله مع المتقين* نبهوا على أن تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا أنهم