فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 396

غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب ناط الله تعالى بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ومسبباتها، فتطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى *فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون* فالمسلمون إذا بذلوا وسعهم، ولم يفرطوا في شئ ثم ارتبكوا في أمر بعد ذلك فالله ناصرهم، ومؤيدهم فيما لا قبل لهم بتحصيله ولقد نصرهم الله ببدر وهم أذلة، إذ هم يومئذ جملة المسلمين وإذ لم يقصروا في شئ، فأما أقوام يتلفون أموال المسلمين في شهواتهم، ويفيتون الفرص وقت الأمن فلا يستعدون لشيء ثم يطلبون بعد ذلك من الله النصر والظفر فأولئك قوم مغرورون، ولذلك يسلط الله عليهم أعداءهم بتفريطهم. ولعله يتداركهم في خلال ذلك بلطفه فيما يرجع إلى استبقاء الدين، والإنفاق تقدم في قوله تعالى *ومما رزقناهم ينفقون*.

صفحة: 545

وسبيل الله طريقه، والطريق إذا أضيف إلى شئ فإنما يضاف إلى ما يوصل إليه، ولما علم أن الله لا يصل إليه الناس تعين أن يكون المراد من الطريق العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه، فهو مجاز في اللفظ ومجاز في الإسناد، وقد غلب سبيل الله في اصطلاح الشرع في الجهاد. أي القتال للذب عن دينه وإعلاء كلمته، وفي للظرفية لأن النفقة تكون بإعطاء العتاد، والخيل، والزاد، وكل ذلك مظروف للجهاد على وجه المجاز وليست في هنا مستعملة للتعليل.

وقوله تعالى *ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة* عطف غرض على غرض، عقب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغا للنصيحة والإرشاد لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبة العدو، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره من تصاريف الحرب وحفظ النفوس، ولذلك فالجملة فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض الإرشاد.

والإلقاء رمي الشيء من اليد وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى المرمي إليه بإلى وإلى المرمي فيه بفي.

والظاهر أن الأيدي هي المفعول إذ لم يذكر غيره، وأن الباء زائدة لتوكيد اتصال الفعل بالمفعول كما قالوا للمنقاد *أعطي بيده* أي أعطي يده لأن المستسلم في الحرب ونحوه يشد بيده، فزيادة الباء كزيادتها في *وهزي إليك بجذع النخلة* وقول النابغة:

لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا والمعنى ولا تعطوا الهلاك أيديكم فيأخذكم أخذ الموثق، وجعل التهلكة كالآخذ والآسر استعارة بجامع الإحاطة بالمقى، ويجوز أن تجعل اليد مع هذا مجازا عن الذات بعلاقة البعضية لأن اليد أهم شئ في النفس في هذا المعنى، وهذا في الأمرين كقول لبيد:

حتى إذا ألقت يدا في كافر أي ألقت الشمس نفسها، وقيل الباء سببية والأيدي مستعملة في معنى الذات كناية عن الاختيار والمفعول محذوف أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة باختياركم.

والتهلكة بضم اللام اسم مصدر بمعنى الهلاك، وإنما كان اسم مصدر لأنه لم يعهد في المصادر وزن التفعلة بضم العين وإنما في المصادر التفعلة بكسر العين لكنه مصدر مضاعف العين المعتل اللام كزكى وغطى، أو المهموز اللام كجزأ وهيأ، وحكى سيبويه له نظيرين في المشتقات التضرة والتسرة بضم العين من أضر وأسر بمعنى الضر والسرور، وفي الأسماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت