الجامدة التضنضبة والتتفلة الأول اسم شجر، والثاني ولد الثعلب، وفي تاج العروس أن الخليل قرأها التهلكة بكسر اللام ولا أحسب الخليل قرأ كذلك؛ فإن هذا لم يرو عن أحد من القراء في المشهور ولا الشاذ فإن صح هذا النقل فلعل الخليل نطق به على وجه المثال فلم يضبط من رواه عنه حق الضبط، فإن الخليل أجل من أن يقرأ القرآن بحرف غير مأثور.
ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القوم عن تحقق الهلاك بدون أن يجتني منه المقصود.
وعطف على الأمر بالإنفاق للإشارة إلى علة مشروعية الإنفاق وإلى سبب الأمر به فإن ترك الإنفاق في سبيل الله والخروج بدون عدة إلقاء باليد للهلاك كما قيل:
كساع إلى الهيجا بغير سلاح فلذلك وجب الإنفاق، ولأن اعتقاد كفاية الإيمان بالله ونصر دينه في هزم الأعداء اعتقاد غير صحيح، لأنه كالذي يلقي بنفسه للهلاك ويقول سينجيني الله تعالى، فهذا النهي قد أفاد المعنيين جميعا وهذا من أبدع الإيجاز.
وفي البخاري عن ابن عباس وجماعة من التابعين في معنى *ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة* لا تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة وإن لم يكن إلا سهم أو مقص فأت به.
وقد قيل في تفسير *ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة* أقوال: الأول أن أنفقوا أمر بالنفقة على العيال، والتهلكة: الإسراف فيها أو البخل الشديد رواه البخاري عن حذيفة، ويبعده قوله في سبيل الله وإن إطلاق التهلكة على السرف بعيد وعلى البخل أبعد.
الثاني أنها النفقة على الفقراء أي الصدقة والتهلكة الإمساك ويبعده عدم مناسبة العطف وإطلاق التهلكة على الإمساك.
الثالث الإنفاق في الجهاد، والإلقاء إلى التهلكة الخروج بغير زاد.
صفحة: 546
الرابع الإلقاء باليد إلى التهلكة: الاستسلام في الحرب أي لا تستسلموا للأسر.
الخامس أنه الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم.
روى الترمذي عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم القسطنطينية فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فانزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا: *وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة* فكانت التهليكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو اه، والآية تتحمل جميع المعاني المقبولة.
ووقوع فعل تلقوا في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهيا عنه محرما ما لم يوجد مقتض لإزالة ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدما على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك.
فالتفريط في الاستعداد للجهاد حرام لا محالة لأنه إلقاء باليد إلى التهلكة، وإلقاء بالأمة والدين إليها بإتلاف نفوس المسلمين، وقد اختلف العلماء في مثل هذا الخبر الذي رواه الترمذي عن