لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ، وَذَلِكَ إلَى حَدِّ الشِّبَعِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَهُ الِامْتِلَاءُ. وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، وَهُوَ مَا فَوْقَ الشِّبَعِ، وَكُلُّ طَعَامٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُفْسِدُ مَعِدَتَهُ، لِأَنَّهُ إسْرَافٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لقوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا} إلَّا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الشِّبَعِ لَا تَضُرُّهُ، وَقَصَدَ بِالْأَكْلِ الْقُوَّةَ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ، أَوْ الزِّيَادَةَ فِي الطَّاعَاتِ، أَوْ لِئَلَّا يَسْتَحْيِيَ الْحَاضِرُ مَعَهُ بَعْدَ إتْمَامِ طَعَامِهِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ} . وَمِنْ الْأَكْلِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ قَلِيلًا، فَإِنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَقَدْ قَالَ الْبَعْضُ: إنَّ الْآكِلَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ التَّلَذُّذَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الْكَافِرِينَ بِأَكْلِهِمْ لِلتَّمَتُّعِ وَالتَّنَعُّمِ وَقَالَ: {وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الْأَنْعَامُ، وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} . وَقَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام {الْمُسْلِمُ يَاكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَاكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ} . هَذَا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ الْأَكْلُ بِقَصْدِ التَّمَتُّعِ وَالتَّلَذُّذِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِهِ، لِقَصْدِ التَّقَوِّي عَلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَذَا الْقَائِلُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْعِي عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِالْأَطْعِمَةِ الَّتِي رَزَقَهُمْ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَكِّرُوا فِي الْمُنْعِمِ، وَأَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ النَّعْيُ عَلَى مَنْ أَكْثَرَ مِنْ الطَّعَامِ.
اشْتِرَاطُ الْأَمْنِ بِالنِّسْبَةِ لِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ: 6 - الْأَمْنُ مَقْصُودٌ بِهِ سَلَامَةُ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ وَالدَّيْنِ وَالْعَقْلِ، وَهِيَ الضَّرُورِيَّاتُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا لِقِيَامِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَمْنَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِالْعِبَادَاتِ. لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلضَّرَرِ بِسَبَبِ الْعِبَادَةِ. وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ الْآتِيَةِ:
أَوَّلًا: فِي الطَّهَارَةِ:
7 -الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَوْ الْأَكْبَرِ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ لَكِنْ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ أَوْ لِصٌّ أَوْ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ أَوْ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ، لِأَنَّ إلْقَاءَ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ حَرَامٌ، وَكَذَا مَنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ مَرَضٌ وَيَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ {رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي رَاسِهِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلَامٌ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ، فَاغْتَسَلَ فَكُزَّ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ} (ر: طَهَارَةٌ - وُضُوءٌ - غُسْلٌ - تَيَمُّمٌ) .
ثَانِيًا: فِي الصَّلَاةِ: 8 - أ - مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ مَعَ الْأَمْنِ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْأَمْنُ بِأَنْ خَافَ مِنْ نَحْوِ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ سَقَطَ الِاسْتِقْبَالُ وَصَلَّى عَلَى حَالِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (ر: اسْتِقْبَالٌ) . ب - صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ إلَّا أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إجْمَاعًا. ج - صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ أَوْ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنْ الْجَمَاعَةُ تَسْقُطُ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ - قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ - لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى} .
ثَالِثًا: فِي الْحَجِّ:
9 -يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ أَمْنُ الطَّرِيقِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ، فَمَنْ خَافَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ إنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آخَرَ آمِنًا. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَجِّ مَثَلًا طَرِيقٌ إلَّا بِالْبَحْرِ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَدَمَ سَلَامَةِ الْوُصُولِ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ