فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 396

فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا. وَرُفِعَتْ الْقِصَّةُ إلَى عُمَرَ، فَرَأَى طَلَاقَ الرَّجُلِ لَغْوًا، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَرْأَةَ، وَلِذَا اعْتَمَدَ ابْنُ قُدَامَةَ عَدَمَ الْفَرْقِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّهْدِيدُ بِقَتْلِ رَجُلٍ لَا يَمُتُّ إلَى الْمُهَدَّدِ بِسَبَبٍ، إنْ هُوَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَكَانِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ يُرَادُ لِلْقَتْلِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إكْرَاهًا، حَتَّى لَوْ أَنَّهُ وَقَعَتْ الدَّلَالَةُ مِمَّنْ طُلِبَتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَتَلَ الشَّخْصَ الْمَذْكُورَ، لَكَانَ الدَّالُّ مُعِينًا عَلَى هَذَا الْقَتْلِ عَنْ طَوَاعِيَةٍ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ - وَالْمُعَيِّنُ شَرِيكٌ لِلْقَاتِلِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِشَرَائِطَ خَاصَّةٍ - وَذَهَبَ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ إلَى أَنَّ التَّهْدِيدَ فِي أَجْنَبِيٍّ إكْرَاهٌ فِي الْأَيْمَانِ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ. 4 - وَالْفِعْلُ، فِي جَانِبِ الْمُكْرَهِ (بِفَتْحِ الرَّاءِ) ، هُوَ أَيْضًا أَعَمُّ مِنْ فِعْلِ اللِّسَانِ وَغَيْرِهِ، إلَّا أَنَّ أَفْعَالَ الْقُلُوبِ لَا تَقْبَلُ الْإِكْرَاهَ، فَيَشْمَلُ الْقَوْلَ بِلَا شَكٍّ. وَفِيمَا يُسَمِّيهِ فُقَهَاؤُنَا بِالْمُصَادَرَةِ فِي أَبْوَابِ الْبُيُوعِ وَمَا إلَيْهَا، الْفِعْلُ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْ الْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) دَفْعُ الْمَالِ وَغَرَامَتُهُ، لَا سَبَبُ الْحُصُولِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ - كَاسْتِقْرَاضٍ - فَيَصِحُّ السَّبَبُ وَيَلْزَمُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَخْلَصَ لَهُ إلَّا بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ، إلَّا أَنَّ الْمُكْرِهَ (بِالْكَسْرِ) لَمْ يُعَيِّنْهُ لَهُ فِي إكْرَاهِهِ إيَّاهُ. وَلِذَا قَالُوا: إنَّ الْحِيلَةَ فِي جَعْلِ السَّبَبِ مُكْرَهًا عَلَيْهِ، أَنْ يَقُولَ: الْمُكْرَهُ (بِالْفَتْحِ) : مِنْ أَيْنَ أَتَى بِالْمَالِ؟ فَإِذَا عَيَّنَ لَهُ الْمُكْرِهُ (بِالْكَسْرِ) سَبَبًا، كَأَنْ قَالَ لَهُ: بِعْ كَذَا، أَوْ عِنْدَ ابْنِ نُجَيْمٍ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْبَيْعِ دُونَ تَعْيِينِ الْمَبِيعِ، وَقَعَ هَذَا السَّبَبُ الْمُعَيَّنُ تَحْتَ طَائِلَةِ الْإِكْرَاهِ. وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إلَّا الْمَالِكِيَّةُ - بِاسْتِثْنَاءِ ابْنِ كِنَانَةَ وَمُتَابِعِيهِ - إذْ جَعَلُوا السَّبَبَ أَيْضًا مُكْرَهًا عَلَيْهِ بِإِطْلَاقٍ. وَيَشْمَلُ التَّهْدِيدَ بِإِيذَاءِ الْغَيْرِ، مِمَّنْ يُحِبُّهُ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ التَّهْدِيدُ - عَلَى الشَّرْطِ الْمُعْتَبَرِ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِكْرَاهُ مِنْ أَسْبَابِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ - بِشَرِيطَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَحْبُوبُ رَحِمًا مَحْرَمًا، أَوْ - كَمَا زَادَ بَعْضُهُمْ - زَوْجَةً. وَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يُقَيِّدُونَهُ بِأَنْ يَكُونَ وَلَدًا وَإِنْ نَزَلَ، أَوْ وَالِدًا وَإِنْ عَلَا. وَالشَّافِعِيَّةُ - وَخَرَّجَهُ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ - لَا يُقَيِّدُونَهُ إلَّا بِكَوْنِهِ مِمَّنْ يَشُقُّ عَلَى الْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) إيذَاؤُهُ مَشَقَّةً شَدِيدَةً كَالزَّوْجَةِ، وَالصَّدِيقِ، وَالْخَادِمِ. وَمَالَ إلَيْهِ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ. حَتَّى لَقَدْ اعْتَمَدَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مِنْ الْإِكْرَاهِ مَا لَوْ قَالَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ، أَوْ الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ (دُونَ غَيْرِهِمَا) : طَلِّقْ زَوْجَتَك، وَإِلَّا قَتَلْت نَفْسِي، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: وَإِلَّا كَفَرْت، لِأَنَّهُ يَكْفُرُ فِي الْحَالِ. وَفِي التَّقْيِيدِ بِالْوَلَدِ أَوْ الْوَالِدِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. كَمَا أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى نَحْوِ الْإِلْقَاءِ مِنْ شَاهِقٍ أَيْ: الْإِلْجَاءِ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ الْمُنَافِي لِلْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. وَالْمَالِكِيَّةُ - وَجَارَاهُمْ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - اكْتَفُوا بِظَنِّ الضَّرَرِ مِنْ جَانِبِ الْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) إنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَعِبَارَتُهُمْ: يَكُونُ (أَيْ الْإِكْرَاهُ) بِخَوْفِ مُؤْلِمٍ. الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ): 5 - الرِّضَى وَالِاخْتِيَارُ: الرِّضَى لُغَةً: الِاخْتِيَارُ. يُقَالُ: رَضِيت الشَّيْءَ وَرَضِيت بِهِ: اخْتَرْته. وَالِاخْتِيَارُ لُغَةً: أَخْذُ مَا يَرَاهُ خَيْرًا. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرِّضَى وَالِاخْتِيَارِ، لَكِنْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا. فَالرِّضَى عِنْدَهُمْ هُوَ: امْتِلَاءُ الِاخْتِيَارِ وَبُلُوغُهُ نِهَايَتَهُ، بِحَيْثُ يُفْضِي أَثَرُهُ إلَى الظَّاهِرِ مِنْ ظُهُورِ الْبَشَاشَةِ فِي الْوَجْهِ وَنَحْوِهَا. أَوْ هُوَ: إيثَارُ الشَّيْءِ وَاسْتِحْسَانُهُ. وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ: الْقَصْدُ إلَى مَقْدُورٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ جَانِبَيْهِ عَلَى الْآخَرِ. أَوْ هُوَ: الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ وَإِرَادَتُهُ.

صِفَةُ الْأَكْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْآكِلِ: 2 - إنَّ الْأَكْلَ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا، يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ لِلْغِذَاءِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْهَلَاكَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَامُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَعَدَمِ إلْقَائِهَا إلَى التَّهْلُكَةِ. وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ قَائِمًا، وَأَدَاءُ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ، لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ. وَمِنْهُ مَنْدُوبٌ، وَهُوَ مَا يُعِينُهُ عَلَى تَحْصِيلِ رِزْقِهِ وَتَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَحْصِيلِ النَّوَافِلِ. وَقَدْ يَكُونُ الْأَكْلُ مُبَاحًا يَجُوزُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت