اسْتِيعَابَ الرَّاسِ وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي وَضْعَ آلَةِ الْمَسْحِ وَذَلِكَ لَا يَسْتَوْعِبُهُ فِي الْعَادَاتِ فَيَصِيرُ الْمُرَادُ بِهِ أَكْثَرَ الْيَدِ فَصَارَ التَّبْعِيضُ مُرَادًا بِهَذَا الشَّرْطِ فَأَمَّا الِاسْتِيعَابُ فِي التَّيَمُّمِ مَعَ قَوْلِهِ {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} فَثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام قَالَ فِيهِ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ فَجُعِلَتْ الْبَاءُ صِلَةً وَبِدَلَالَةِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ شُرِعَ خَلَفًا عَنْ الْأَصْلِ وَكُلُّ تَنْصِيفٍ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ وَعَلَى هَذَا قَوْلِ الرَّجُلِ إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي أَنَّهُ يَشْتَرِطُ تَكْرَارَ الْإِذْنِ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَاقْتَضَى مُلْصَقًا بِهِ لُغَةً وَهُوَ الْخُرُوجُ فَصَارَ الْخُرُوجُ الْمُصْلَقُ بِالْإِذْنِ الْمَوْصُوفِ بِهِ مُسْتَثْنًى فَصَارَ عَامًّا فَأَمَّا قَوْلُهُ إلَّا أَنْ آذَنَ لَك فَإِنَّهُ جُعِلَ مُسْتَثْنَى بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ جِنْسِهِ فَجُعِلَ مَجَازًا عَنْ الْغَايَةِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُنَاسِبُ الْغَايَةَ
بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ) سُمِّيَتْ حُرُوفُ الْجَرِّ لِأَنَّهَا تَجُرُّ فِعْلًا إلَى اسْمٍ نَحْوَ مَرَرْت بِزَيْدٍ أَوْ اسْمًا إلَى اسْمٍ نَحْوَ الْمَالِ لِزَيْدٍ. وَسُمِّيَتْ حُرُوفُ الْإِضَافَةِ لِأَنَّ وَضْعَهَا عَلَى أَنْ تُفْضِيَ بِمَعَانِي الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ. الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ هُوَ مَعْنَاهَا بِدَلَالَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلِ فِي اللُّغَةِ كَالنَّصِّ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ. وَلِيَكُونَ عَطْفٌ عَلَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ مَعْنًى أَيْ لِلِاسْتِعْمَالِ وَلِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ لِلْبَاءِ مَعْنًى يَخْتَصُّ الْبَاءُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى نَفْيًا لِلِاشْتِرَاكِ. هُوَ لَهُ حَقِيقَةً أَيْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِلْبَاءِ مَعْنًى حَقِيقِيًّا. ثُمَّ الْإِلْصَاقُ يَقْتَضِي طَرَفَيْنِ مُلْصَقًا وَمُلْصَقًا بِهِ فَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْبَاءُ فَهُوَ الْمُلْصَقُ بِهِ وَالطَّرَفُ الْآخَرُ هُوَ الْمُلْصَقُ فَفِي قَوْلِك كَتَبْت بِالْقَلَمِ. الْكِتَابَةُ مُلْصَقٌ وَالْقَلَمُ مُلْصَقٌ بِهِ وَمَعْنَاهُ أَلْصَقَتْ الْكِتَابَةَ بِالْقَلَمِ. وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ فِي الْإِلْصَاقِ إيصَالَ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ دُونَ عَكْسِهِ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِك كَتَبْت بِالْقَلَمِ وَنَحَرْتُ بِالْقَدُومِ وَقَطَعْت بِالسِّكِّينِ وَضَرَبْت بِالسَّيْفِ وَنَحْوَهَا إلْصَاقُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْعَكْسِ كَانَ الْمُلْصَقُ أَصْلًا وَالْمُلْصَقُ بِهِ تَبَعًا بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ لِلشَّيْءِ. وَلِهَذَا صَحِبَتْ الْبَاءُ الْأَثْمَانَ أَيْ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا لِلْإِلْصَاقِ وَأَنَّ الْإِلْصَاقَ يَقْتَضِي طَرَفَيْنِ مُلْصِقًا وَمُلْصَقًا بِهِ وَالْمُلْصِقُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمُلْصَق بِهِ هُوَ التَّبَعُ صَحِبَتْ الْبَاءُ الْأَثْمَانَ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي الْبَيْعِ بَلْ هُوَ تَبَعٌ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَرَضَ الْأَصْلِيَّ فِي الْبَيْعِ الِانْتِفَاعُ بِالْمَمْلُوكِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمَا هُوَ مَبِيعٌ لَا بِمَا هُوَ ثَمَنٌ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ مِنْ النُّقُودِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِمُنْتَفَعٍ بِهَا فِي ذَوَاتِهَا وَإِنَّمَا هِيَ وَسِيلَةٌ إلَى حُصُولِ الْمَقَاصِدِ كَالْآلَةِ لِلشَّيْءِ وَلِهَذَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكُ الثَّمَنَ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ. إذَا أَدْخَلَ الْبَاءَ فِي الْكُرِّ الْمَوْصُوفِ صَارَ ثَمَنًا بِدَلَالَةِ الْبَاءِ وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مُسَاوَمَةً وَوَجَبَ الْكُرُّ فِي الذِّمَّةِ حَالًا كَمَا إذَا سُمِّيَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ لِأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِمَّا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بِالِاسْتِبْدَالِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَثْمَانِ. وَإِنْ أَدْخَلَ الْبَاءَ فِي الْعَبْدِ الْمُشَارِ وَأَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْكُرِّ الْمَوْصُوفِ انْعَقَدَ سَلَمًا وَيَصِيرُ الْعَبْدُ رَاسَ مَالِ السَّلَمِ بِدَلَالَةِ الْبَاءِ لِأَنَّ رَاسَ الْمَالِ هُوَ الثَّمَنُ فِي السَّلَمِ وَيَصِيرُ الْكُرُّ مَبِيعًا لِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهِ فَيَعْتَبِرُ شَرَائِطَ السَّلَمِ مِنْ التَّاجِيلِ وَقَبْضِ رَاسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَيَانِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله. قَوْلُهُ (إنْ أَخْبَرْتنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ) إلَى آخِرِهِ قَالَ الشَّيْخُ رحمه الله فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْإِخْبَارُ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ أَحَدُهُمَا الَّذِي يُبَلِّغُهُ وَالثَّانِي الْكَلَامُ الَّذِي يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْرِفَةِ فَإِذَا قَالَ إنْ أَخْبَرْتنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ كَانَ الْقُدُومُ مَشْغُولًا بِالْخَافِضِ فَلَمْ يَصْلُحْ مَفْعُولَ الْخَبَرِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا لِأَنَّ الْمَشْغُولَ لَا يُشْغَلُ فَاحْتِيجَ إلَى مَفْعُولٍ آخَرَ هُوَ كَلَامٌ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ أَخْبَرْتنِي خَبَرًا مُلْصَقًا بِقُدُومِهِ فَبَقِيَ الْقُدُومُ وَاقِعًا عَلَى حَقِيقَتِهِ فِعْلًا وَإِلْصَاقُ الْخَبَرِ بِالْقُدُومِ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ وُجُودِهِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ فَلِذَلِكَ اقْتَضَى وُجُودَهُ. فَأَمَّا إذَا قَالَ إنْ أَخْبَرْتنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَالْمُخْبَرُ بِهِ هُوَ الْقُدُومُ وَهُوَ الْمَفْعُولُ وَالْقُدُومُ بِحَقِيقَتِهِ لَا يَصْلُحُ مَفْعُولَ