اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وَسُكُوتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ كَالْجَرِيحِ وَالْمَرِيضِ، وَكَمَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ عَطَشًا أَوْ لِصًّا أَوْ سَبُعًا فِي طَلَبِ الْمَاءِ. وَإِذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرٍو، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَامُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَأَمَرَهُ بِهَا؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، أَشْبَهَ الْمَرِيضَ؛ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ. وَالثَّانِيَةُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْإِعَادَةَ كَنِسْيَانِ الطَّهَارَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَيُفَارِقُ نِسْيَانَ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَاتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَإِنَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ أَتَى بِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَضَرَ مَظِنَّةُ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ، وَدُخُولِ الْحَمَّامَاتِ، بِخِلَافِ السَّفَرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعِيدُ إنْ كَانَ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
(1458) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ شَدِيدًا، وَهُمْ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ، صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا، إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى غَيْرِهَا، يُومِئُونَ إيمَاءً، يَبْتَدِئُونَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ إلَى الْقِبْلَةِ إنْ قَدَرُوا، أَوْ إلَى غَيْرِهَا) . أَمَّا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ، فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمْ؛ رِجَالًا وَرُكْبَانًا، إلَى الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَهُمْ، وَإِلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ، يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، وَيَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، وَيَتَقَدَّمُونَ وَيَتَأَخَّرُونَ، وَيَضْرِبُونَ وَيَطْعَنُونَ، وَيَكُرُّونَ وَيَفِرُّونَ، وَلَا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يُصَلِّي مَعَ الْمُسَايَفَةِ، وَلَا مَعَ الْمَشْيِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُصَلِّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ مَنَعَهَا مَعَهُ، كَالْحَدَثِ وَالصِّيَاحِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي، وَلَكِنْ إنْ تَابَعَ الطَّعْنَ، أَوْ الضَّرْبَ، أَوْ الْمَشْيَ، أَوْ فَعَلَ مَا يَطُولُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ الْحَدَثَ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، صَلُّوا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْمَشْيِ إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِقَضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ، وَهَذَا مَشْيٌ كَثِيرٌ، وَعَمَلٌ طَوِيلٌ، وَاسْتِدْبَارٌ لِلْقِبْلَةِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ الَّذِي لَيْسَ بِشَدِيدٍ، فَمَعَ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ أَوْلَى. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ دُونَ سَائِرِ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَشْتَمِلُ عَلَى الْعَمَلِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَسَوَّغَهُ مَعَ الْغِنَى عَنْهُ، وَإِمْكَانِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ، ثُمَّ مَنَعَهُ فِي حَالٍ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَيْهِ، وَكَانَ الْعَكْسُ أَوْلَى، سِيَّمَا مَعَ نَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الرُّخْصَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إخْلَاءُ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَنْ فِعْلِهَا، كَالْمَرِيضِ، وَيَخُصُّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ عَمَلٌ أُبِيحَ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ، فَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِهِ، كَاسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ، وَالرُّكُوبِ، وَالْإِيمَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا تَاخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِي تَحْرِيمِهِ، أَوْ تَرْكُ الْقِتَالِ وَفِيهِ هَلَاكُهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا، أَوْ مُتَابَعَةُ الْعَمَلِ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ وَصِحَّةُ الصَّلَاةِ مَعَهُ. ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْمَشْيِ الْكَثِيرِ، وَالْعَدْوِ فِي الْهَرَبِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا تَاخِيرُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَغَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فَنَسِيَ الصَّلَاةَ، فَقَدْ نُقِلَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَأَكَّدَهُ