فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 396

الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُوجِبُ الْإِثْمَ وَالْقِصَاصَ مُتَعَيِّنًا أَمَّا اشْتِرَاطُ الْعَمْدِيَّةِ فَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَتَحَقَّقُ دُونَهَا وَلَا بُدَّ مِنْهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام {رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ} الْحَدِيثَ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ السِّلَاحِ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَى السِّلَاحِ؛ فَلِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ، وَهُوَ فِعْلُ الْقَلْبِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إذْ هُوَ أَمْرٌ مُبْطَنٌ فَأُقِيمَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ غَالِبًا مَقَامَهُ تَيْسِيرًا كَمَا أُقِيمَ السَّفَرُ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ. وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا مَقَامَ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَالْبُلُوغُ مَقَامَ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ تَيْسِيرًا وَالْآلَةُ الْقَاتِلَةُ غَالِبًا هِيَ الْمُحَدَّدَةُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُعَدَّةُ لِلْقَتْلِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ، فَلَيْسَ بِمُعَدٍّ لَهُ حَتَّى لَوْ ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ أَوْ بِصَنْجَةِ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله عَلَى مَا يَجِيءُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَذَكَرَ قَاضِيخَانْ رحمه الله أَنَّ الْجُرْحَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَدِيدِ وَمَا يُشْبِهُ الْحَدِيدَ كَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْمَاثَمِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} الْآيَةَ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم {سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ} وَقَالَ عليه الصلاة والسلام {لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ} وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْقِصَاصِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وقوله تعالى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِي الْقَتْلِ خَطَأً بِقَوْلِهِ {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} وَقَالَ صلى الله عليه وسلم {الْعَمْدُ قَوَدٌ} ؛ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ قِصَاصًا نِهَايَةُ الْعُقُوبَةِ فَلَا يُشْرَعُ إلَّا إذَا تَنَاهَتْ الْجِنَايَةُ، وَلَا تَتَنَاهَى إلَّا بِالْعَمْدِ. لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ، فَلَا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ الْمُتَنَاهِيَةَ قَالَ رحمه الله (إلَّا أَنْ يُعْفَى) أَيْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ فَيَسْقُطَ الْقِصَاصُ بِعَفْوِهِمْ، فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ إنْ كَانَ الْعَفْوُ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَإِنْ كَانَ بِبَدَلٍ يَجِبُ الْمَشْرُوطُ بِالصُّلْحِ لَا بِالْقَتْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيِّ: رحمه الله الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِاخْتِيَارِ الْوَلِيِّ وَفِي قَوْلٍ عَنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقَوَدُ عَيْنًا لَكِنْ لِلْوَلِيِّ حَقُّ الْعُدُولِ إلَى الْمَالِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ وَإِمَّا أَنْ يُودِيَ} وَقَالَ {عليه الصلاة والسلام فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَاخُذُوا الْعَقْلَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا} . وَهَذَا نَصٌّ عَلَى التَّخْيِيرِ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ شُرِعَ جَابِرًا وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعُ جَبْرٍ فَيَتَخَيَّرُ فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ كَالْكَفَّارَاتِ أَوْ فِي الْعُدُولِ إلَى الْمَالِ بَعْدَ الْوُجُوبِ كَالْمِثْلِيِّ الْمُنْقَطِعِ، فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى رِضَاهُ لِتَعَيُّنِهِ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ، وَهُوَ بِامْتِنَاعِهِ مُتَعَنِّتٌ وَمُلْقٍ نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالْمُضْطَرِّ إذَا وَجَدَ مَالَ الْغَيْرِ، وَمَعَهُ ثَمَنُهُ، فَإِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لَهُ شَرْعًا وَالْآدَمِيُّ قَدْ يَضْمَنُ بِالْمَالِ كَمَا فِي الْخَطَأِ وَلَنَا مَا تَلَوْنَا وَمَا رَوَيْنَا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام {الْعَمْدُ قَوَدٌ} لِلْجِنْسِ لِعَدَمِ الْعَهْدِ فَيَقْتَضِي أَنَّ جِنْسَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ لَا الْمَالِ وَمَنْ جَعَلَهُ مُوجِبًا لِلْمَالِ فَقَدْ زَادَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما بِقَوْلِهِ الْعَمْدُ قَوَدٌ لَا مَالَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجَبًا لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآدَمِيِّ صُورَةً وَمَعْنًى إذْ الْآدَمِيُّ خُلِقَ مُكَرَّمًا لِيَتَحَمَّلَ التَّكَالِيفَ وَيَشْتَغِلَ بِالطَّاعَةِ وَلِيَكُونَ خَلِيفَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَالْمَالُ خُلِقَ لِإِقَامَةِ مَصَالِحِهِ وَمُبْتَذَلًا لَهُ فِي حَوَائِجِهِ فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا وَقَائِمًا مَقَامَهُ وَالْقِصَاصُ يَصْلُحُ لِلتَّمَاثُلِ صُورَةً؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِقَتْلٍ وَكَذَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ الِانْتِقَامُ. وَالثَّانِي فِيهِ كَالْأَوَّلِ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ قِصَاصًا وَبِهِ يَحْصُلُ مَنْفَعَةُ الْإِحْيَاءِ لِكَوْنِهِ زَاجِرًا لَا يَاخُذُ الْمَالَ فَتَعَيَّنَ مُوجَبًا لَا الْمَالَ؛ وَلِهَذَا يُضَافُ مَا وَجَبَ مِنْ الْمَالِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ إلَى الصُّلْحِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا} ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْمَالِ لَمَا أَضَافَهُ إلَى الصُّلْحِ، وَلَا يُعَارَضُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت