فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 396

11 -الْحَرْبُ - كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ - حَالَةُ عَدَاءٍ وَكِفَاحٍ مُسَلَّحٍ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، تَقْتَضِي إبَاحَةَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، وَهَذَا يَقْتَضِي بَحْثَ حَالَةِ الْعَدُوِّ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْعَهْدِ، وَفِي حَالَةِ الْعَهْدِ:

أ - فِي غَيْرِ حَالَةِ الْعَهْدِ: الْحَرْبِيُّ غَيْرُ الْمُعَاهَدِ مُهْدَرُ الدَّمِ وَالْمَالِ، فَيَجُوزُ قَتْلُ الْمُقَاتَلِينَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يُقَاتِلُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَتُصْبِحُ الْأَمْوَالُ مِنْ عَقَارَاتٍ وَمَنْقُولَاتٍ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَصِيرُ بِلَادُ الْعَدُوِّ بِالْغَلَبَةِ أَوْ الْفَتْحِ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَكُونُ وَلِيُّ الْأَمْرِ مُخَيَّرًا فِي الْأَسْرَى بَيْنَ أُمُورٍ: هِيَ الْقَتْلُ، وَالِاسْتِرْقَاقُ، وَالْمَنُّ (إطْلَاقُ سَرَاحِ الْأَسِيرِ بِلَا مُقَابِلٍ) ، وَالْفِدَاءُ (تَبَادُلُ الْأَسْرَى أَوْ أَخْذُ الْمَالِ فِدْيَةً عَنْهُمْ) ، وَفَرْضُ الْجِزْيَةِ عَلَى الرِّجَالِ الْقَادِرِينَ. فَإِنْ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ وَعَقَدَ الْإِمَامُ لَهُمْ الذِّمَّةَ، أَصْبَحُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ، وَيَكُونُ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْإِنْصَافِ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الِانْتِصَافِ، قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا، وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا. (ر: أَهْلُ الذِّمَّةِ) . وَلَا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ إلَّا بِمَشْرُوعِيَّةِ الْجِهَادِ، كَمَا ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ، فَفِيهَا: يُشْتَرَطُ لِإِبَاحَةِ الْجِهَادِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: امْتِنَاعُ الْعَدُوِّ عَنْ قَبُولِ مَا دُعِيَ إلَيْهِ مِنْ الدِّينِ الْحَقِّ، وَعَدَمِ الْأَمَانِ وَالْعَهْدِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. وَالثَّانِي: أَنْ يَرْجُوَ الْإِمَامُ الشَّوْكَةَ وَالْقُوَّةَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، بِاجْتِهَادِهِ أَوْ بِاجْتِهَادِ مَنْ يُعْتَدُّ بِاجْتِهَادِهِ وَرَايِهِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَرْجُو الْقُوَّةَ وَالشَّوْكَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْقِتَالُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْقَاءِ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ.

ب - فِي حَالَةِ الْعَهْدِ: الْعَهْدُ مِنْ ذِمَّةٍ أَوْ هُدْنَةٍ أَوْ أَمَانٍ يَعْصِمُ الدَّمَ وَالْمَالَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ، فَإِنْ وُجِدَ عَهْدٌ عَصَمَ دَمَهُ وَمَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ مُهْدَرُ الدَّمِ وَالْمَالِ. وَتُبْحَثُ هُنَا أُمُورٌ: أَوَّلًا: قَتْلُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ حَرْبِيًّا:

12 -جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَامَنًا، كَمَا لَا دِيَةَ عَلَيْهِمَا بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ غَيْرِ الْمُسْتَامَنِ؛ بِسَبَبِ وُجُودِ الشُّبْهَةِ فِي إبَاحَةِ دَمِ الْحَرْبِيِّ، وَلِكَوْنِهِ مُبَاحَ الدَّمِ فِي الْأَصْلِ. وَشَرْطُ الْقِصَاصِ وَوُجُوبِ الدِّيَةِ: كَوْنُ الْمَقْتُولِ مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ مَحْقُونَ الدَّمِ، أَيْ يَحْرُمُ الِاعْتِدَاءُ عَلَى حَيَاتِهِ، بَلْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِهَا فِي حَالَةِ قَتْلِ مُبَاحِ الدَّمِ - كَالْحَرْبِيِّ - قَتْلًا عَمْدًا. ثَانِيًا: حُصُولُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْحَرْبِيِّ بِمُعَامَلَةٍ يُحَرِّمُهَا الْإِسْلَامُ:

13 -إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَعَاقَدَ حَرْبِيًّا عَقْدًا مِثْلَ الرِّبَا، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَخَذَ مَالَهُ بِالْمَيْسِرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا حَرَّمَهُ الْإِسْلَامُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مُلْتَزِمٌ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ؛ فَلِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْمُحَرَّمَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} ، وَآيَاتُ تَحْرِيمِ الرِّبَا، مِثْلُ قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، وَسَائِرُ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا، وَهِيَ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الرِّبَا فِي كُلِّ مَكَان وَزَمَانٍ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَالِ الْحَرْبِيِّ مِنْ غَيْرِ خِيَانَةٍ وَلَا غَدْرٍ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْ مَالِهِ، فَإِتْلَافُهُ مُبَاحٌ، وَفِي عَقْدِ الرِّبَا وَنَحْوِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ رَاضِيَانِ، فَلَا غَدْرَ فِيهِ، وَالرِّبَا وَنَحْوُهُ كَإِتْلَافِ الْمَالِ، وَهُوَ جَائِزٌ.

قَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَاخُذَ مِنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الْمُبَاحَ عَلَى وَجْهٍ عَرَا عَنْ الْغَدْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ طَيِّبًا مِنْهُ. وَأَمَّا خِيَانَةُ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَامَنِ عِنْدَهُمْ فَمُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْا الْأَمَانَ لِلْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ مَشْرُوطًا بِتَرْكِهِ خِيَانَتَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ، فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى، وَلِذَلِكَ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ بِأَمَانٍ فَخَانَنَا، كَانَ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ تَحِلَّ لِلْمُسْلِمِ خِيَانَةُ الْحَرْبِيِّينَ إذَا دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّهُ غَدْرٌ، وَلَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت