أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْبَعْضَ لُغَةً. وَاعْلَمْ أَنَّ لِمَشَايِخِنَا رحمهم الله فِي تَقْدِيرِ فَرْضِ الْمَسْحِ طَرِيقِينَ. أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ وَالثَّانِي أَنْ مُطْلَقَ الْبَعْضِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُرَادًا لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ فِي عَامَّةِ الْأَعْضَاءِ بَعْضٌ مُقَدَّرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هَاهُنَا وَلِهَذَا لَوْ زَادَ عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي قُدِّرَ بِهِ لَا يَكُونُ الزَّائِدُ فَرْضًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ الدَّاخِلُ تَحْتَ الْأَمْرِ بَعْضًا مُطْلَقًا لَوَقَعَ الزَّائِدُ فَرْضًا كَالزَّائِدِ عَلَى الْآيَاتِ الثَّلَاثِ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ صَارَ الْبَعْضُ مُجْمَلًا فَيَتَعَرَّفُ بِالسُّنَّةِ وَهِيَ تُوجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ بِالرُّبُعِ عَلَى مَا عُرِفَ إلَّا أَنَّ فِي إثْبَاتِ الْإِجْمَالِ بِهَذَا الطَّرِيقِ نَوْعَ ضَعْفٍ فَإِنَّ الْخُصُومَ لَمْ يُسَلِّمُوا الْإِجْمَالَ فِي الْآيَةِ وَقَالُوا بَلْ مُطْلَقُ الْمَسْحِ هُوَ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ وَهُوَ مَعْلُومٌ فَلِذَلِكَ اخْتَارَ الشَّيْخُ هَاهُنَا الطَّرِيقَ الَّذِي بَيَّنَّا لِأَنَّهُ أَسْلَمُ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الِاسْتِيعَابُ) إلَى آخِرِهِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ قَدْ دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي قوله تعالى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} . فِي الْمَحَلِّ وَقَدْ شُرِطَ فِيهِ الِاسْتِيعَابَ كَمَا فِي الْوُضُوءِ فَقَالَ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيعَابُ بِدُخُولِ الْبَاءِ فِي الْمَحَلِّ وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ {قَوْلُهُ عليه السلام لِعَمَّارٍ. يَكْفِيك ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ} . وَبِمِثْلِهَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ فَجُعِلَتْ الْبَاءُ صِلَةً أَيْ زَائِدَةً بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ مِثْلُهَا فِي قوله تعالى {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} فَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ فَامْسَحُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ فَيَجِبُ الِاسْتِيعَابُ. وَبِدَلَالَةِ الْكِتَابِ أَيْ الْكِتَابُ دَلَّ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِيعَابِ أَيْضًا لِأَنَّ التَّيَمُّمَ شُرِعَ خَلَفًا عَنْ الْأَصْلِ الْوُضُوءِ بِأَنْ أُقِيمَ الْمَسْحُ بِالصَّعِيدِ فِي الْعُضْوَيْنِ مَقَامَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ بِالْمَاءِ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَنُصِّفَ الْحَلِفُ تَخْفِيفًا وَكُلُّ تَنْصِيفٍ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ كَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَعِدَّةِ الْإِمَاءِ وَحُدُودِ الْعَبِيدِ وَكَمَنْ لَهُ عَلَى آخِرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسَةٍ أَوْ أَبْرَأهُ عَنْ خَمْسَةٍ يَجِبُ الْبَاقِي بِصِفَةِ الْأَصْلِ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ ثُمَّ الِاسْتِيعَابُ فِي غَسْلٍ فِي هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ فَكَذَا فِيمَا قَامَ مَقَامَهُمَا عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِيعَابُ بَلْ الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ لِأَنَّ فِي الْمَمْسُوحَاتِ الِاسْتِيعَابَ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالرَّاسِ قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ يُبْتَنَى عَلَى أَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ. قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْت مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَكَذَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الْإِذْنِ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ ثُمَّ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَنِثَ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ خَرَجْت يَتَنَاوَلُ الْمَصْدَرَ لُغَةً وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَخْرُجِي خُرُوجًا فَصَارَ عَامًّا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ خُرُوجًا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الْإِذْنِ فَبَقِيَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْخُرُوجِ دَاخِلًا فِي الْحَظْرِ فَإِذَا فَعَلَتْ وَجَبَ الْجَزَاءُ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْت إلَّا بِقِنَاعٍ أَوْ بِمُلَاءَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَتَى خَرَجَتْ بِقِنَاعٍ أَوْ بِمُلَاءَةٍ لَمْ تَطْلُقْ وَلَمْ يَسْقُطْ الْخَطَرُ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ قِنَاعٍ أَوْ مُلَاءَةٍ طَلُقَتْ فَكَذَا هَذَا قَوْلُهُ (فَاقْتَضَى مُلْصَقًا بِهِ) أَيْ شَيْئًا يَلْتَصِقُ بِالْإِذْنِ إذْ لَا بُدَّ لِلْجَارِ وَالْمَجْرُورِ مِنْ مُتَعَلِّقٍ. وَهُوَ أَيْ الشَّيْءُ الْمُلْصِقُ بِالْإِذْنِ هُوَ الْخُرُوجُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. فَصَارَ عَامًا أَيْ صَارَ الْخُرُوجُ الْمَوْصُوفُ الْمُسْتَثْنَى عَامًّا حَتَّى تَنَاوَلَ كُلَّ خَرْجَةٍ وُصِفَتْ بِالْإِذْنِ وَإِنْ كَانَ الْخُرُوجُ الْمُسْتَثْنَى نَكِرَةً فِي الْإِثْبَاتِ لِعُمُومِ صِفَتِهِ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ فِي قَوْلِهِ لَا أَتَزَوَّجُ إلَّا امْرَأَةً كُوفِيَّةً. وَذَلِكَ أَيْ جَعْلُهُ مُسْتَثْنًى بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ. لِأَنَّهُ أَيْ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ الْإِذْنُ خِلَافُ جِنْسِهِ أَيْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ الْخُرُوجُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إظْهَارُ الْخُرُوجِ هَاهُنَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي فَإِنَّهُ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقُولَ إلَّا خُرُوجًا بِإِذْنِي وَلَوْ قَالَ إلَّا خُرُوجًا أَنْ آذَنَ لَك كَانَ كَلَامًا مُخْتَلًّا. قَالَ الشَّيْخُ رحمه الله فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْ آذَنَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَتَّى عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ أَذِنَ فِي الْخُرُوجِ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَقَالَ الْفَرَّاءُ بَلْ يَحْنَثُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} . وَقَدْ كَانَ تَكْرَارُ الْإِذْنِ شَرْطًا. وَلِأَنَّ كَلِمَةَ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ مَصْدَرٌ وَلَا اتِّصَالَ لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ إلَّا بِصِلَةٍ فَوَجَبَ تَقْدِيرُ الصِّلَةِ فِيهِ وَهِيَ