فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 396

وَاحِدٌ دَالًّا عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. هَذَا رَدُّ لِكَلَامِ الْقَائِلِينَ بِالتَّبْعِيضِ وَقَوْلُهُ وَلَا يُصَارُ إلَى إلْغَاءِ الْحَقِيقَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَالِكٍ أَيْ إذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ لَا يُصَارُ إلَى إلْغَائِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ وَبِأَنْ جَازَ تَرْكُ الْحَقِيقَةِ فِي مَوْضِعٍ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُهُ فِي مَوْضِعٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَكَانَتْ الْبَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا هُوَ أَصْلُهَا. وَبَيَانُ هَذَا أَيْ بَيَانُ أَنَّهَا لِلْإِلْصَاقِ فِي الْآيَةِ وَأَنَّ التَّبْعِيضَ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ آخَرَ لَا بِالْبَاءِ أَنَّ الْمَسْحَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ آلَةٍ وَمَحَلٍّ فَإِذَا دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي الْآلَةِ كَانَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلَى الْمَحَلِّ وَيَصِيرُ الْمَحَلُّ مَفْعُولَ فِعْلِهِ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ كَقَوْلِك مَسَحْت الْحَائِطَ بِيَدِي أَوْ مَسَحْت بِيَدِي الْحَائِطَ وَإِذَا دَخَلَتْ فِي الْمَحَلِّ كَانَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلَى الْآلَةِ وَلِهَذَا ظَهَرَ عَمَلُهُ فِيهَا حَتَّى انْتَصَبَتْ بِذَلِكَ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِيَّةِ فَهَذَا لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إلْصَاقَ الْفِعْلِ بِالْمَحَلِّ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ لَكِنْ بِهَذِهِ الْآلَةِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا صَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ وَامْسَحُوا أَيْدِيَكُمْ بِرُءُوسِكُمْ فَلَا يَقْتَضِي هَذَا الْكَلَامُ اسْتِيعَابَ الرَّاسِ بِالْمَسْحِ كَمَا ظَنَّهُ مَالِكٌ. لِأَنَّهُ أَيْ الْمَسْحَ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى الرَّاسِ بَلْ أُضِيفَ إلَى الْيَدِ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ لِلْحَالِ وَالْجُمْلَةُ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ. لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْتَضِي وَضْعَ آلَةِ الْمَسْحِ عَلَى الرَّاسِ وَإِلْصَاقَهَا بِهِ. وَذَلِكَ أَيْ وَضْعُ الْآلَةِ لَا يَسْتَوْعِبُ الرَّاسَ فِي الْعَادَاتِ أَيْضًا لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَسْتَوْعِبُ الرَّاسَ عَادَةً. إلَّا أَنَّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَصْلُحُ قَوْلُهُ (فَصَارَ الْمُرَادُ بِهِ أَكْثَرَ الْيَدِ) نَتِيجَةٌ لَهُ فَيُجْعَلُ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي لَا يَسْتَوْعِبُهُ عَائِدًا إلَى الْآلَةِ عَلَى تَاوِيلِ الْمَذْكُورِ أَيْ الْوَضْعُ لَا يَسْتَوْعِبُ الْآلَةَ فِي الْعَادَاتِ يَعْنِي هَذَا التَّقْدِيرَ وَإِنْ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ مُتَنَاوِلًا لِكُلِّ الْآلَةِ لَكِنْ فِي الْعَادَةِ لَا تُوضَعُ الْآلَةُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا عَلَى الرَّاسِ فَإِنَّ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَظَهْرِ الْكَفِّ لَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْمَسْحِ عَادَةً فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْأَكْثَرِ الَّذِي يُحْكَى حِكَايَةَ الْكُلِّ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ. فَصَارَ التَّبْعِيضُ مُرَادًا بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْ صَارَ التَّبْعِيضُ مُرَادًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُقَدَّرًا بِآلَةِ الْمَسْحِ أَوْ بِأَكْثَرِهَا لَا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقُ التَّبْعِيضِ مُرَادًا عَمَلًا بِالْبَاءِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله. وَعِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَوْضَحُ فَإِنَّهُ قَالَ وَإِذَا قُرِنَتْ الْبَاءُ بِمَحَلِّ الْمَسْحِ يَتَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى الْآلَةِ فَلَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إلْصَاقَ الْآلَةِ بِالْمَحَلِّ وَذَلِكَ لَا يَسْتَوْعِبُ الْكُلَّ عَادَةً ثُمَّ أَكْثَرُ الْآلَةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكُلِّ فَيَتَأَدَّى الْمَسْحُ بِإِلْصَاقِ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ بِمَحَلِّ الْمَسْحِ وَمَعْنَى التَّبْعِيضِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا بِحَرْفِ الْبَاءِ. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِمَشَايِخِنَا بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ قوله تعالى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} . أُدْخِلَ حَرْفُ الْبَاءِ فِي الْمَحَلِّ فَيَتَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى الْآلَةِ وَهِيَ الْيَدُ كَأَنَّهُ قِيلَ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ أَيْدِيَكُمْ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْجَمْعَ مَتَى قُوبِلَ بِالْجَمْعِ يَنْقَسِمُ آحَادُ هَذَا عَلَى آحَادِ ذَلِكَ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ وَلْيَمْسَحْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِرَاسِهِ يَدَهُ فَإِذَا وَضَعَ الْيَدَ عَلَى الرَّاسِ جَازَ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْمَسْحُ. وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ جَازَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ الْآلَةِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فَيَجُوزُ التَّبْعِيضُ بِإِقَامَةِ الْأَكْثَرِ لَا بِحَرْفِ الْبَاءِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ رحمه الله فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ هَاهُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ كَتَبْت بِالْقَلَمِ إلَّا أَنَّ كَلِمَةَ الْبَاءِ مَتَى دَخَلَتْ مَحَلَّ الْفِعْلِ كَانَ الْمُرَادُ إلْصَاقَ الْفِعْلِ بِالْمَحَلِّ لَا إلْصَاقَ الْمَحَلِّ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَعْدُومٌ لَا يُتَصَوَّرُ إلْصَاقُ الْمَحَلِّ بِهِ قَبْلَ الْوُجُودِ وَبَعْدَ الْوُجُودِ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِلْصَاقُ بِهِ لِأَنَّهُ يَنْعَدِمُ كَمَا وُجِدَ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إلْصَاقُهُ بِالْمَحَلِّ فَكَانَ الْمَقْصُودُ إلْصَاقَ الْفِعْلِ بِالْمَحَلِّ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ إثْبَاتَ وَصْفٍ فِي الْفِعْلِ هُوَ الْإِلْصَاقُ فَيَصِيرُ الْفِعْلُ هُوَ الْمَقْصُودُ لِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْإِلْصَاقِ فِيهِ وَالْمَحَلُّ إنَّمَا يُرَاعَى لِتَصَوُّرِ هَذَا الْمَقْصُودِ لَا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ وَمَا يُرَاعَى لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ إنَّمَا يُرَاعَى بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ وَهُوَ إلْصَاقُ الْفِعْلِ بِالرَّاسِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِبَعْضِ الرَّاسِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ الْبَعْضَ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت