فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 396

(فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ - أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الْحِسِّيَّةُ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إلَى الْآخِرَةِ، وَالثَّانِي يَرْجِعُ إلَى الدُّنْيَا أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْآخِرَةِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -. التَّصَرُّفَاتُ الْحِسِّيَّةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا الْإِكْرَاهُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ هُوَ مُبَاحٌ، وَنَوْعٌ هُوَ مُرَخَّصٌ، وَنَوْعٌ هُوَ حَرَامٌ لَيْسَ بِمُبَاحٍ وَلَا مُرَخَّصٍ. (أَمَّا) النَّوْعُ الَّذِي هُوَ مُبَاحٌ فَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ تَامًّا بِأَنْ كَانَ بِوَعِيدِ تَلَفٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا تُبَاحُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} ، أَيْ دَعَتْكُمْ شِدَّةُ الْمَجَاعَةِ إلَى أَكْلِهَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ وَقَدْ تَحَقَّقَ الِاضْطِرَارُ بِالْإِكْرَاهِ فَيُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ بَلْ لَا يُبَاحُ لَهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ، وَلَوْ امْتَنَعَ عَنْهُ حَتَّى قُتِلَ يُؤَاخَذُ بِهِ كَمَا فِي حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ؛ لِأَنَّهُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْهُ صَارَ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَهَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} ، وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ نَاقِصًا لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَلَا يُرَخَّصُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ لِلضَّرُورَةِ بَلْ لِدَفْعِ الْغَمِّ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَانَتْ الْحُرْمَةُ بِحُكْمِهَا قَائِمَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِالْإِجَاعَةِ بِأَنْ قَالَ: لَتَفْعَلَنَّ كَذَا وَإِلَّا لَأُجِيعَنَّكَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ حَتَّى يَجِيئَهُ مِنْ الْجُوعِ مَا يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُ النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ) : وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فَهُوَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَيْنًا حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْوَلِيُّ أَنْ يَاخُذَ الدِّيَةَ مِنْ الْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَلَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ أَوْ عَفَا الْوَلِيُّ سَقَطَ الْمُوجِبُ أَصْلًا، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَلِلشَّافِعِيِّ - رحمه الله - قَوْلَانِ: فِي قَوْلٍ: الْقِصَاصِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَيْنًا بَلْ الْوَاجِبُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ غَيْرَ عَيْنٍ (إمَّا) الْقِصَاصُ (وَإِمَّا) الدِّيَةُ، وَلِلْوَلِيِّ خِيَارُ التَّعْيِينِ إنْ شَاءَ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إذَا مَاتَ الْقَاتِلُ يَتَعَيَّنُ الْمَالُ وَاجِبًا، فَإِذَا عَفَا الْوَلِيُّ سَقَطَ الْمُوجِبُ أَصْلًا، وَفِي قَوْلٍ الْقِصَاصُ وَاجِبٌ عَيْنًا لَكِنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَاخُذَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ، وَإِذَا عَفَا لَهُ أَنْ يَاخُذَ الْمَالَ، وَإِذَا مَاتَ الْقَاتِلُ سَقَطَ الْمُوجِبُ أَصْلًا احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} . مَعْنَاهُ فَلْيَتَتَبَّعْ وَلْيُؤَدِّ الدِّيَةَ، أَوْجَبَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْقَاتِلِ أَدَاءَ الدِّيَةِ إلَى الْوَلِيِّ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ الرِّضَا؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الدِّيَةِ صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنْ الْهَلَاكِ، وَإِنَّهُ وَاجِبٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى جَلَّ شَانُهُ {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} ، وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْقَتْلِ يَجِبُ حَقًّا لِلْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَرَدَتْ عَلَى حَقِّهِ فَكَانَ الْوَاجِبُ بِهَا حَقًّا لَهُ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ. وَالْمَقْتُولُ لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ، وَيَنْتَفِعُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ، وَتُنَفَّذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرَعَ الْقِصَاصُ أَصْلًا إلَّا أَنَّهُ شُرِعَ لِحِكْمَةِ الزَّجْرِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ قَتْلِ عَدُوِّهِ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الْمَالِ، فَشُرِعَ ضَمَانًا زَاجِرًا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي شُرْبِ خَمْرِ الذِّمِّيِّ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ النَّفْسِ، وَفِي الْقِصَاصِ مَعْنَى الْبَدَلِيَّةِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} ، وَالْبَاءُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْإِبْدَالِ فَتُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَخُيِّرَ بَيْنَهُمَا. (وَلَنَا) قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} ، وَهَذَا يُفِيدُ تَعَيُّنَ الْقِصَاصِ مُوجَبًا، وَيَبْطُلُ مَذْهَبُ الْإِبْهَامِ جَمِيعًا، أَمَّا الْإِبْهَامُ فَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ كَوْنِ الْقِصَاصِ وَاجِبًا فَيَصْدُقُ الْقَوْلُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَحَدُ حَقَّيْنِ لَا يَصْدُقُ الْقَوْلَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَنَّهُ أَوْجَبُ (وَأَمَّا) التَّعْيِينُ فَلِأَنَّهُ إذَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ عَلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهِ بَطَلَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ بِضَرُورَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِاخْتِيَارِ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ إذَا كَانَ عَيْنَ حَقِّهِ كَانَتْ الدِّيَةُ بَدَلَ حَقِّهِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت