فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 396

يَشْتَرُونَ، فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَخْرُجُوا فِي طَلَبِ الْعَلَفِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى عَنْ مُوجَبِ الْأَمْرِ، بِدَلِيلِ قوله تعالى: {إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} . 192 - وَإِنْ قَالَ الْوَالِي: لَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ إلَى الْعَلَفِ إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُرَاعُوا شَرْطَهُ، فَيَخْرُجُوا تَحْتَ لِوَائِهِ فَإِذَا أَتَوْا الْقُرَى فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا فِيهَا لِطَلَبِ الْعَلَفِ عَلَى وَجْهٍ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ، فَإِذَا أَتَاهُمْ الْعَدُوُّ فَلْيَنْضَمُّوا إلَى صَاحِبِ اللِّوَاءِ حَتَّى يُقَاتِلُوا تَحْتَ لِوَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ اللِّوَاءِ بِحَضْرَتِهِمْ فَلْيُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّزُوا عَنْ إلْقَاءِ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ بِأَقْصَى مَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . 193 - وَلَا يَنْبَغِي بَعْدَ مَا خَرَجُوا أَنْ يُفَارِقُوا صَاحِبَ اللِّوَاءِ، إلَّا حَيْثُ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُغِيثَهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ مِنْ قَوْلِهِ:"لَا يَخْرُجُوا إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ"لَيْسَ الْخُرُوجُ فَقَطْ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ: كُونُوا تَحْتَ لِوَائِهِ إلَى أَنْ تَرْجِعُوا. وَمَنْ يُرَاعِ أَمْرَهُ فِي شَيْءٍ يُرَاعِ صِفَةَ أَمْرِهِ. 194 - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مُنَادِي الْأَمِيرِ: مَنْ أَرَادَ الْعَلَفَ فَلْيَخْرُجْ تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ نَهْيٌ وَلَا أَمْرٌ غَيْرُ هَذَا، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّهْيِ. وَقَدْ (50 ب) بَيَّنَّا أَنَّهُ بَنَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، مَفْهُومُ الصِّفَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَلَكِنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَقْصُودَ الَّذِي يَفْهَمُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّ الْغُزَاةَ فِي الْعَامِ الْغَالِبِ لَا يَقِفُونَ عَلَى حَقَائِقِ الْعُلُومِ وَأَنَّ أَمِيرَهُمْ بِهَذَا اللَّفْظِ إنَّمَا يَقْصِدُ نَهْيَ النَّاسِ عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، فَجَعَلَ النَّهْيَ الْمَعْلُومَ بِدَلَالَةِ كَلَامِهِ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَتَمَامُ بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأُصُولِ.

وقال ابن العربي:

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَفْسِيرِ النَّفَقَةِ: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ نَدَبَهُمْ إلَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيْ هَلُمَّ} . الثَّانِي: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَخْرُجُوا بِغَيْرِ زَادٍ تَوَكُّلًا وَاتِّكَالًا. وَحَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَالِاتِّكَالُ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ لَا يَجُوزُ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ دَائِمٌ، وَالثَّانِي: قَدْ يُتَصَوَّرُ إذَا وَجَبَ الْجِهَادُ، وَالثَّالِثُ صَحِيحٌ لِأَنَّ إعْدَادَ الزَّادِ فَرْضٌ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ {اثَّاقَلْتُمْ} : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مَعْنَاهُ تَثَاقَلْتُمْ، وَهَذَا تَوْبِيخٌ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ، وَعِتَابٌ فِي التَّقَاعُدِ عَنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْخُرُوجِ. وَنَحْوُ قَوْلِهِ: {مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} هُوَ قَوْلُهُ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} الْمَعْنَى لَا تُقْبِلُوا عَلَى الْأَمْوَالِ إيثَارًا لَهَا عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَلَا تَرْكَنُوا إلَى التِّجَارَةِ الْحَاضِرَةِ، تَقْدِيمًا لَهَا عَلَى التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ الَّتِي تُنْجِيكُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

وفي بدائع الصنائع:

وَأَمَّا الْغِنَى الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ السُّؤَالُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَدَادُ عَيْشٍ بِأَنْ كَانَ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {مَنْ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا ظَهْرُ الْغِنَى؟ قَالَ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَا يُغَدِّيهِمْ أَوْ مَا يُعَشِّيهِمْ} فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَلَا مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ؛ لِأَنَّ الْحَالَ حَالُ الضَّرُورَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} ، وَتَرْكُ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْحَالِ إلْقَاءُ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ وَإِنَّهُ حَرَامٌ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت