فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 396

الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ التَّهْلُكَةِ أَهُوَ الرَّجُلُ إذَا (47 ب) مَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ حَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يُذْنِبُ ثُمَّ لَا يَتُوبُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَعْنَى قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . فَوَقَعَ عِنْدَ السَّائِلِ أَنَّ مَنْ حَمَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَعْدَاءِ يَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ. فَبَيَّنَ لَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ الْمُلْقِي نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ مَنْ يُذْنِبُ ثُمَّ لَا يَتُوبُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُرْتَهِنًا بِصَنِيعِهِ. فَأَمَّا مَنْ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ فَهُوَ يَسْعَى فِي إعْزَازِ الدِّينِ، وَيَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ الَّتِي يَسْتَفِيدُ بِهَا الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ، كَيْفُ يَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ؟. 164 - ثُمَّ بَيَّنَ الْمَذْهَبَ فَقَالَ: لَا بَاسَ بِأَنْ يُحْمَلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَصْنَعُ شَيْئًا يَقْتُلُ أَوْ يَجْرَحُ أَوْ يَهْزِمُ. فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ وَمَدَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ لَمَّا الْتَقَى الصَّفَّانِ حَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ وَأَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ؟ فَقَالَ: كَلًّا، وَلَكِنَّهُ تَأَوَّلَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} ، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْكِي فِيهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِحَمْلَتِهِ شَيْءٌ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى إعْزَازِ الدِّينِ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ فَقَطْ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} . وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْهَى قَوْمًا مِنْ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُنْكَرٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ بِنَهْيِهِ، وَأَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ، فَإِنَّهُ لَا بَاسَ لَهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ. وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَاكَ يَعْتَقِدُونَ مَا يَامُرُهُمْ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُؤْثَرًا فِي بَاطِنِهِمْ. فَأَمَّا الْكُفَّارُ غَيْرُ مُعْتَقِدِينَ لِمَا يَدْعُوهُمْ إلَيْهِ، فَالشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ حَمْلَتُهُ بِحَيْثُ تَنْكِي فِيهِمْ ظَاهِرًا فَإِذَا كَانَ لَا يَنْكِي لَا يَكُونُ مُفِيدًا فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، فَلَا يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

186 -وَلَا بَاسَ بِأَنْ تَخْرُجَ الْجَمَاعَةُ الْمُمْتَنِعَةُ إلَى الْعَلَّافَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِي فَيَتَعَلَّفُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ بِهِ. لِوُجُودِ دَلَالَةِ الْإِذْنِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ جَرَّهُمْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْعَلَفِ، وَأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ اسْتِصْحَابُ الْعَلَفِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِدُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَشْتَرُونَهُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِيمَا فِيهِ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْعَدُوِّ. وَفِي أَخْذِ الْعُلُوفَةِ مِنْهُمْ تَحْقِيقُ هَذَا الْمَعْنَى، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمَنَعَةٍ. فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَخْرُجُوا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ. وَلَا يَتَفَرَّقُونَ إلَّا بِحَيْثُ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. لِأَنَّهُمْ إذَا تَفَرَّقُوا وَبَعُدَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ (50 آ) كَانَ مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَامَنُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَقْتُلُوهُ. 187 - كَمَا لَا يَحِلُّ لِلْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى أَنْ يَخْرُجَ ابْتِدَاءً خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَسْكَرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِمْ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ. فَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا إلَّا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. 188 - وَإِنْ نَادَى مُنَادِي الْأَمِيرِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْعَلَّافَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ مَنَعَةٍ وَلَا لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِذْنِ تَنْعَدِمُ بِصَرِيحِ النَّهْيِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ النَّظَرُ فِي هَذَا النَّهْيِ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ لِذَلِكَ قَوْمًا. 189 - وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا لِتَتَّفِقَ كَلِمَتُهُمْ وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ إنْ اُبْتُلُوا بِذَلِكَ. 190 - وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجُوا مُتَفَرِّقِينَ قَبْلَ نَهْيِ الْإِمَامِ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا ثُمَّ يُقَاتِلُوا حَتَّى يَلْتَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْجَيْشِ إلَى ذَلِكَ مَاسَةٌ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ لَهُمْ. فَإِنَّمَا يَتِمُّ النَّظَرُ مِنْهُ إذَا بَعَثَ لِذَلِكَ قَوْمًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا: {هَلْ أَمَّرْتُمَا؟ قَالَا: نَعَمْ، فَقَالَ: أَلَا قَدْ رَشَدْتُمَا} . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسَافِرِينَ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَمَا ظَنَّكَ فِي الْمُحَارَبِينَ؟. 191 - وَبَعْدَ مَا نَهَى الْوَالِي النَّاسَ عَنْ الْخُرُوجِ إذَا أَصَابَهُمْ ضَرُورَةٌ مِنْ الْعَلَفِ، وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ عَلَى ظُهُورِهِمْ وَلَمْ يَجِدُوا مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت