وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي تَطْبِيقِ قَوْلِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم {وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ} وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام {لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ} ) بِكَسْرِ الرَّاءِ مَنْ كَانَتْ إبِلُهُ مَرِيضَةً {عَلَى مُصَحِّحٍ} ) مَنْ كَانَتْ إبِلُهُ صَحِيحَةً (خَرَّجَهُ خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه لِعُمُومِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام {لَا عَدْوَى} أَكْثَرُهُمْ حَمَلُوا الْأَوَّلَيْنِ عَلَى صِيَانَةِ الِاعْتِقَادِ) مِمَّا يُكَفِّرُ صَاحِبَهُ أَوْ يُبَدِّعُهُ عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الْأَمْرَاضِ بِالْمُخَالَطَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاتِّفَاقِ بِاعْتِقَادِ التَّاثِيرِ مِنْ غَيْرِهِ تَعَالَى (كَمَا) فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ (فِي) حَقِّ (الطَّاعُونِ) حَيْثُ كَرِهُوا الْقُدُومَ عَلَيْهِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ {فَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَلَسْتُمْ بِهَا فَلَا تَهْبِطُوا عَلَيْهَا} وَفِي رِوَايَةٍ {فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ} وَفِي رِوَايَةٍ {فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ وَإِنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَهُوَ بِهَا فَلَا يَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ} نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ هَذَا أَيْ صِيَانَةُ الِاعْتِقَادِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها الْفِرَارُ مِنْهُ كَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ (وَبَعْضُهُمْ) حَمَلَ (عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ) بِقَوْلِهِ لَا عَدْوَى. (التَّعْدِيَةُ بِالطَّبْعِ) فَيَجُوزُ السِّرَايَةُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا سِرَايَةَ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَكْثَرُ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا (كَمَا يَعْتَقِدُهُ أَصْحَابُ الطَّبِيعَةِ) مِنْ الْفَلَاسِفَةِ (وَأَمَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ فَجَائِزٌ) وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا نُقِلَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه حِينَ تَوَجَّهَ إلَى الشَّامِ وَسَمِعَ أَنَّ الطَّاعُونَ فِيهَا رَجَعَ فَقِيلَ أَتَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فِرَارِي مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمَسْرُوقٍ وَالْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ فِرُّوا مِنْ الطَّاعُونِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِرُّوا مِنْ هَذَا الرِّجْزِ فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَرُءُوسِ الْجِبَالِ وَفِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَإِذَا تَزَلْزَلَتْ الْأَرْضُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِرَارُ إلَى الصَّحْرَاءِ لقوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَفِيهِ قِيلَ الْفِرَارُ مِمَّا لَا يُطَاقُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يُفِيدُ جَوَازَ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ إذَا نَزَلَ بِبَلَدِهِ وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِخِلَافِهِ انْتَهَى قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِهِ قَوْلَهُ وَهُوَ يُفِيدُ جَوَازَ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ أَقُولُ فِي الْإِفَادَةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ انْتَهَى قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ {إذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ} إلَخْ عَنْ الْخَطَّابِيِّ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَادِيبٌ وَتَعْلِيمٌ وَالْآخَرُ تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ وَعَنْ التُّورْبَشْتِيِّ أَنَّهُ شُرِعَ لَنَا التَّوَقِّي مِنْ الْمَحْذُورِ وَقَدْ صَحَّ {أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمَّا بَلَغَ الْحِجْرَ مَنَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ دُخُولِهِ} انْتَهَى وَعَنْ فَتَاوَى أَبِي مَسْعُودٍ الْفِرَارُ مِنْ الطَّاعُونِ بِنِيَّةِ الِالْتِجَاءِ مِنْ قَهْرِهِ إلَى لُطْفِهِ جَائِزٌ وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْجُذَامَ كَالْجَرَبِ وَالْحَصْبَاءِ وَالْوَبَاءِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمُتَعَدِّيَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى لَا بِطَبْعِهَا كَمَا اُعْتُقِدَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَالَ بَعْضٌ مِنْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ مَنْ هُوَ فِي بَلَدٍ فِيهَا الطَّاعُونُ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ كَالْمَرِيضِ وَمَنْ فِي الْمَعْرَكَةِ انْتَهَى. وَفِي الْأَشْبَاهِ فَلَوْ أَغْضَبَ صَبِيًّا وَمَاتَ عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا إذَا نَقَلَهُ إلَى مَسْبَعَةٍ أَوْ مَكَانِ الْوَبَاءِ أَوْ الْحُمَّى (وَارْتَضَاهُ الْإِمَامُ التُّورْبَشْتِيُّ رحمه الله تعالى) مِنْ فُضَلَاءِ الْحَنَفِيَّةِ (لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ) نَفْسِهَا بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ كَمَا سَبَقَ (وَبَيْنَهَا) الظَّاهِرُ عَلَى الِاسْتِخْدَامِ (وَبَيْنَ قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ) إذْ ظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَنْعُ السِّرَايَةِ مُطْلَقًا وَقَوْلُ الْأَطِبَّاءِ إثْبَاتُ السِّرَايَةِ فِي الْبَعْضِ وَحُمِلَ مَنْعُ السِّرَايَةِ عَلَى مَا هِيَ بِالطَّبْعِ وَحُمِلَ إثْبَاتُ السِّرَايَةِ عَلَى مَا هِيَ بِإِذْنِهِ تَعَالَى تَوْفِيقٌ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْأَطِبَّاءِ (حَيْثُ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْعِلَلَ السَّبْعَ تَتَعَدَّى) لَا يَخْفَى إنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا التَّوْفِيقُ إذَا لَمْ يُصَرِّحُوا السِّرَايَةَ بِالطَّبْعِ وَأَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ نَوْعٌ مِنْ عِلْمِ الْحِكْمَةِ وَالْحُكَمَاءُ يَنْفُونَ صُدُورَ الْأَشْيَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً غَيْرَ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ بَلْ يَنْسُبُونَ صُدُورَ مِثْلِ مَا ذَكَرْنَا إلَى الْعَقْلِ الْفَيَّاضِ أَيْ الْعَاشِرِ (الْجُذَامُ) يُقَالُ جَذَمَ الْإِنْسَانُ إذَا أَصَابَهُ الْجُذَامُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ اللَّحْمَ وَيُسْقِطُهُ (وَالْجَرَبُ) خَلْطٌ غَلِيظٌ يَحْدُثُ فِي الْجِلْدِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْبَلْغَمِ الْمِلْحِ لِلدَّمِ (وَالْجُدَرِيُّ)