صلى الله عليه وسلم: أَلَا تَرَوْنَ صَاحِبَكُمْ كَيْفَ نَظَرَ لِنَفْسِهِ وَلَكُمْ وَلَمْ يَامُرْهُ بِالْإِعَادَةِ وَلَمْ يَسْتَفْسِرْهُ إنَّهُ كَانَ فِي مَفَازَةٍ، أَوْ مِصْرٍ، وَلِأَنَّهُ عَلَّلَ فِعْلَهُ بِعِلَّةٍ عَامَّةٍ، وَهِيَ خَوْفُ الْهَلَاكِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَصْوَبَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالْحُكْمُ يَتَعَمَّمُ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ وَقَوْلُهُمَا:"إنَّ الْعَجْزَ فِي الْمِصْرِ نَادِرٌ"فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ الْغُرَبَاءِ لَيْسَ بِنَادِرٍ، عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، حَتَّى لَوْ قَدَرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَلَوْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ، وَلَكِنْ لَا ثَمَنَ لَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ السُّؤَالُ. وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمَاءَ مَبْذُولٌ فِي الْعَادَةِ لِقِلَّةِ خَطَرِهِ فَلَمْ يَعْجِزْ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَجْزَ مُتَحَقِّقٌ، وَالْقُدْرَةُ مَوْهُومَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ أَعَزِّ الْأَشْيَاءِ فِي السَّفَرِ، فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبَذْلِ، فَإِنْ سَأَلَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ أَصْلًا أَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ قَدْ تَقَرَّرَ، وَكَذَا إنْ كَانَ يُعْطِيهِ بِالثَّمَنِ وَلَا ثَمَنَ لَهُ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ وَلَكِنْ لَا يَبِيعُهُ إلَّا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ وَلَوْ بِجَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تِجَارَةٌ رَابِحَةٌ. (وَلَنَا) أَنَّهُ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ إلَّا بِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ لَا يُقَابِلُهُ عِوَضٌ، وَحُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم {حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ} ، وَلِهَذَا أُبِيحَ لَهُ الْقِتَالُ دُونَ مَالِهِ كَمَا أُبِيحَ لَهُ دُونَ نَفْسِهِ، ثُمَّ خَوْفُ فَوَاتِ بَعْضِ النَّفْسِ مُبِيحٌ لِلتَّيَمُّمِ فَكَذَا فَوَاتُ بَعْضِ الْمَالِ بِخِلَافِ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ فَإِنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِمَا يُذْكَرُ، ثُمَّ قَدْرُ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي هَذَا الْبَابِ مُقَدَّرٌ بِتَضْعِيفِ الثَّمَنِ، وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمَاءُ يُشْتَرَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِدِرْهَمٍ، وَهُوَ لَا يَبِيعُهُ إلَّا بِدِرْهَمٍ، وَنِصْفٍ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَبِيعُ إلَّا بِدِرْهَمَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ كَانَ يَبِيعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى بَدَلِهِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، كَمَنْ قَدَرَ عَلَى ثَمَنِ الرَّقَبَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَبِيعُ إلَّا بِغَبْنٍ يَسِيرٍ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ اعْتِبَارًا بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَهَذَا الِاعْتِبَارُ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَهُوَ زِيَادَةٌ مُتَيَقَّنٌ بِهَا، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ اخْتِلَافِ الْمُقَوِّمِينَ فَكَانَتْ مُعْتَبَرَةً، وَمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ يَدْخُلُ تَحْتَ اخْتِلَافِهِمْ فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ هُوَ زِيَادَةٌ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ، فَلَمْ تَكُنْ زِيَادَةً مُتَحَقِّقَةً، فَلَا تُعْتَبَرُ. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا رَأَى مَعَ رَفِيقِهِ مَاءً كَثِيرًا وَلَا يَدْرِي أَيُعْطِيهِ أَمْ لَا؟ أَنَّهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ قَدْ صَحَّ، فَلَا يَنْقَطِعُ بِالشَّكِّ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَأَلَهُ، فَإِنْ أَعْطَاهُ تَوَضَّأَ، وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّ الْبَذْلَ بَعْدَ الْفَرَاغِ دَلِيلُ الْبَذْلِ قَبْلَهُ، وَإِنْ أَبَى فَصَلَاتُهُ مَاضِيَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ قَدْ تَقَرَّرَ، فَإِنْ أَعْطَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُنْتَقَضْ مَا مَضَى؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ اسْتَحْكَمَ بِالْإِبَاءِ، وَيَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِبَاءِ ارْتَفَضَ بِالْبَذْلِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي رَجُلَيْنِ مَعَ أَحَدِهِمَا إنَاءٌ يَغْتَرِفُ بِهِ مِنْ الْبِئْرِ وَوَعَدَ صَاحِبَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْإِنَاءَ قَالَ: يَنْتَظِرُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ فَكَانَ قَادِرًا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِالْوَعْدِ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ظَاهِرًا، فَيُمْنَعُ الْمَصِيرُ إلَى التَّيَمُّمِ، وَكَذَا إذَا وَعَدَ الْكَاسِي الْعَارِيَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّوْبَ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ عُرْيَانًا لِمَا قُلْنَا، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُخَرَّجُ مُسَافِرٌ تَيَمَّمَ، وَفِي رَحْلِهِ مَاءٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، حَتَّى صَلَّى، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ أَجْزَأَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَمْ يُجْزِهِ، وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ نَاسِيًا، أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ نَاسِيًا، ثُمَّ تَذَكَّرَهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِأَبِي يُوسُفَ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَسِيَ مَا لَا يُنْسَى عَادَةً، لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ أَعَزِّ الْأَشْيَاءِ فِي السَّفَرِ