{وَأَنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} هذا أمر بالإنفاقفي طريق الإسلام، فلكل ما كان سبيلًا لله وشرعا له كان مأمورًا بالاتفاق فيه؛ وقيل: معناه الأمر بالانفاق في أثمانآلة الحرب، وقيل: على المقلين من المجاهدين، قاله ابن عباس، قال: نزلت في أناس من الأعراب سألوا رسول الله صلالله عليه وسلم، فقالوا: بماذا نتجهز؟ فوالله ما لنا زاد وقيل: في الجهاد على نفسه وعلى غيره، وقيل: المعنى: إبذلوا أنفسكمفي المجاهدة في سبيل الله. وسمي بذل النفس في سبيل الله إنفاقًا مجازًا وأتساعًا كقول الشاعر:
وأنفقت عمري في البطالة والصبا ... فلم يبق لي عمر ولم يبق لي أجر
والأظهر القول الأول، وهو: الأمر بصرفالمال في وجوه البرّ من حج، أو عمرة، أو جهاد بالنفس، أو بتجهيز غيره، أو صلة رحم، أو صدقة، أوعلى عيال، أو في زكاة، أو كفارة، أو عمارة سبيل، أو غير ذلك. ولما اعتقبت هذه الآية لما قبلها ممايدل على القتال والأمر به، تبادر إلى الذهن النفقة في الجهاد للمناسبة. {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قالعكرمة: نزلت في الأنصار، أمسكوا عن النفقة في سبيل الله، وقال النعمان بن بشير: كان الرجل يذنب الذنب فيقول: لايغفر الله لي، فنزلت. وفي حديث طويل تضمن أن رجلًا من المسلمين حمل على صف الروم، ودخل فيهم وخرج، فقال الناس: ألقى بنفسه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الانصاري: تأوّلتم الآية على غير تأويلها، وما أنزلت هذه الآية إلاَّفينا معشر الأنصار، لما أعز الله دينه قلنا: لو أقمنا نصلح ما ضاع من أموالنا، فنزلت. وفي تفسير التهلكةأقوال. أحدها: ترك الجهاد والإخلاد إلى الراحة وإصلاح الأموال، قاله أبو أيوب. الثاني: ترك النفقة في سبيل اللهخوف العيلة، قاله حذيفة، وأبن عباس، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وابن جبير. الثالث: التقحم في العدّو بلا نكاية، قاله أبوالقاسم البلخي. الرابع: التصدّق بالخبيث، قاله عكرمة. الخامس: الإسراف بإنفاق كل المال، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} ، {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}
قاله أبو علي. السادس: الانهماك في المعاصي ليأسه من قبول توبته، قاله البراء، وعبيدة السلماني. السابع: القنوط من التوبة، قاله قوم. الثامن: السفرللجهاد بغير زاد، قاله زيد بن أسلم، وقد كان فعل ذلك قوم فأدّاهم إلى الإنقطاع في الطريق، أو إلى كونهمعالة على الناس. التاسع: إحباط الثواب أمّا بالمنّ أو الرياء والسمعة، كقوله: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}
وهذه الأقوالكلها تحتمل هذه الآية. والظاهر أنهم نهوا عن كل ما يؤول بهم إلى الهلاك في غير طاعة الله تعالى، فإنالجهاد في سبيل الله مفض إلى الهلاك، وهو القتل، ولم ينه عنه، بل هو أمر مطلوب موعود عليه بالجنة، وهومن أفضل الأعمال المتقرب بها إلى الله تعالى، وقد ردّ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو: أن يقتلفي سبيل الله ثم يحيا، فيقاتل فيقتل، أو كما جاء في الحديث؛ ويقال: ألقى بيده في كذا، وإلى كذا، إذااستسلم، لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه، وكذا على كل عاجز في أي فعل كان، ومنه قول عبد المطلب: والله إن القاءنا بأيدينا للموت لعجز. وألقى يتعدى بنفسه، كما قال تعالى:
{فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ}
وقال الشاعر:
حتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجنّ عورات الثغور ظلامُها