دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لِتَعَلُّقِ الْعِبَادَةِ بِالْمُبَاحِ وَالْعُقُوبَةِ بِالْمَحْظُورِ، وَقَتْلُ الْعَمْدِ كَبِيرَةٌ مَحْضٌ فَلَا تُنَاطُ بِهِ كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ مِثْلِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا. وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي الْإِثْمِ فَشَرْعُهُ لِدَفْعِ الْأَدْنَى لَا يَدُلُّ عَلَى دَفْعِ الْأَعْلَى؛ وَلِأَنَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَعِيدًا مُحْكَمًا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ وُجُودِ التَّشْدِيدِ فِي الْوَعِيدِ بِنَصٍّ قَاطِعٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَمَنْ ادَّعَى غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ تَحَكُّمًا مِنْهُ بِلَا دَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ؛ وَلِأَنَّ قوله تعالى {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} الْآيَةَ كُلُّ مُوجِبَةٍ هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ الْجَزَاءِ لِلشَّرْطِ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ نَسْخًا وَلَا يَجُوزُ بِالرَّايِ
(كِتَابُ الْجِنَايَات) مُنَاسَبَةُ الْجِنَايَاتِ بِالرَّهْنِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ هُوَ صِيَانَةُ الدَّيْنِ عَنْ التَّوَى وَالتَّلَفِ بِوَثِيقَةِ الرَّهْنِ فَكَذَا حُكْمُ الْجِنَايَةِ صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنْ هَلَاكِهَا أَلَا تَرَى إلَى قوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} وَلَكِنْ قَدَّمَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهَا مَحْظُورَةٌ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَمَّا لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِعْلُهُ وَكُلُّ مَا لَيْسَ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ إلَخْ) أَيْ الْمُرَادُ الْقَتْلُ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ، فَإِنَّ الْقَتْلَ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالْقَتْلِ رَجْمًا وَالْقَتْلِ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا ثُمَّ الْقَتْلُ عِبَارَةٌ عَنْ إزْهَاقِ الرُّوحِ بِفِعْلِ شَخْصٍ، وَإِنْ كَانَ انْزِهَاقُ الرُّوحِ بِلَا فِعْلٍ مَخْلُوقٍ يُسَمَّى ذَلِكَ مَوْتًا. ا هـ. (قَوْلُهُ هَذَا تَقْسِيمُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيُّ) وَتَبِعَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي تَقْسِيمِهِ. ا هـ. (قَوْلُهُ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ ا هـ. (قَوْلُهُ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ) وَصَاحِبُ النَّافِعِ قَالَ الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهٍ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَالْقَتْلِ بِالتَّسْبِيبِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَطَأِ فَلَمْ يُفْرِدْ لَهُ نَوْعًا قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ ا هـ قُلْت وَلَعَلَّ مُحَمَّدًا رحمه الله إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّوْعَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الْقَتْلُ بِسَبَبٍ وَمَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ بَيَانُ أَحْكَامِ الْقَتْلِ الَّذِي فِيهِ مُبَاشَرَةٌ وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ لَيْسَ فِيهِ مُبَاشَرَةٌ، وَأَمَّا مَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ، فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُبَاشَرَةٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَطَأِ لَمْ يَذْكُرْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (قَوْلُهُ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِالْحَدِيدِ كَالسِّكِّينِ وَالسَّيْفِ أَوْ مَا كَانَ كَالْحَدِيدِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ حِدَةٌ يَبْضَعُ بَضْعًا أَوْ لَيْسَ لَهُ حِدَةٌ وَلَكِنْ يَرُضُّ رَضًّا كَالْعَمُودِ وَسَنْجَاةِ الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِمَا أَوْ طَعْنٌ بِالرُّمْحِ أَوْ الْإِبْرَةِ أَوْ الْأَشْفَى بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَدِيدِ سَوَاءٌ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ أَوْ لَمْ يَكُنْ. لِأَنَّ الْحَدِيدَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام {لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ} وَفِي رِوَايَةٍ {لَا قَوَدَ إلَّا بِالسِّلَاحِ} وَفِي رِوَايَةٍ {لَا قَوَدَ إلَّا بِالْحَدِيدِ} وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَدِيدِ مِثْلَ الصُّفْرِ وَالرَّصَاصِ وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالنُّحَاسِ وَالْآنُكِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ بَضْعًا أَوْ رَضًّا وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْحَدِيدِ إنْ عَمِلَ عَمَلَ الْحَدِيدِ فَهُوَ عَمْدٌ وَإِلَّا فَلَا كَمَا إذَا أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ فَهُوَ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَهُ؛ لِأَنَّهَا تَشُقُّ الْجِلْدَ وَكَذَلِكَ مَا لَهُ حَدٌّ يَعْمَلُ عَمَلَ السَّيْفِ كَالزُّجَاجِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ وَحَجَرٍ لَهُ حَدٌّ مِمَّا يَبْضَعُ بَضْعًا أَوْ يَطْعَنُ كَخَشَبٍ لَهُ حَدٌّ يَجْرَحُ فَهَذَا يَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ فَهُوَ عَمْدٌ إلَى هُنَا شَرْحُ الطَّحَاوِيِّ وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِيخَانْ فِي فَتَاوَاهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي الْحَدِيدِ وَمَا يُشْبِهُ الْحَدِيدَ كَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِ لَا يُشْتَرَطُ الْجُرْحُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَقَالَ فِي الْأَجْنَاسِ: ذَكَرَ فِي الشُّرُوطِ الْكَبِيرِ لِأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي الْعَمُودِ مِنْ الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ لَا يَجْرَحُهُ. ا هـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا قَاسِمٌ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمَجْمَعِ: فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْعِبْرَةُ لِلْحَدِيدِ نَفْسِهِ سَوَاءٌ جَرَحَ أَوْ لَا