فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ تُحِلُّ سَخَطَ اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ، وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ وَأَنْتَ فِيهِمْ فَاثْبُتْ، وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِك مِنْ طَوْلِك، وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاك أَدَبًا، وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ إسْمَاعِيلُ عَنْ الْحِمْصِيِّينَ حُجَّةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْأَكْثَرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ لَمْ يُدْرِك مُعَاذًا. وَإِنْ ظُنَّ الظَّفْرُ بِالثَّبَاتِ ثَبَتُوا، وَقِيلَ: لُزُومًا، وَإِنْ ظَنَّ الْهَلَاكُ فِيهِمَا قَاتَلُوا، وَعَنْهُ: لُزُومًا، قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُسْتَاسَرَ. وَقَالَ: فَلْيُقَاتِلْ أَحَبُّ إلَيَّ، الْأَسْرُ شَدِيدٌ، وَقَالَ عَمَّارٌ يَقُولُ: مَنْ اسْتَاسَرَ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ. فَلِهَذَا قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَاثَمُ وَأَنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ، قَالَ أَحْمَدُ: وَإِذَا أَرَادُوا ضَرْبَ عُنُقِهِ لَا يَمُدُّ رَقَبَتَهُ وَلَا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ، فَلَا يُعْطِيهِمْ سَيْفَهُ لِيُقْتَلَ بِهِ وَيَقُولُ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ. وَلَا يَقُولُ: ابْدَءُوا بِي، وَلَوْ أُسِرَ هُوَ وَابْنُهُ لَمْ يَقُلْ قَدِّمُوا ابْنِي بَيْنَ يَدَيَّ. وَيَصْبِرُ، قَالَ: وَيُقَاتِلُ، وَلَوْ أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ، قَدْ لَا يَقْوَى، وَقِيلَ لَهُ: إذَا أُسِرَ أَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ؟ قَالَ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَقْوَى بِهِمْ، قَالَ: وَلَوْ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْجُو لَمْ يُعِنْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، وَقِيلَ لَهُ: يَحْمِلُ الرَّجُلُ عَلَى مِائَةٍ؟ قَالَ: إذَا كَانَ مَعَ فُرْسَانٍ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا يُسْتَحَبُّ انْغِمَاسُهُ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا نَهَى عَنْهُ، وَهُوَ مِنْ التَّهْلُكَةِ. وَفِي الْمُنْتَخَبِ: لَا يَلْزَمُ ثَبَاتُ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَالنَّصِيحَةِ وَنِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ وَالْمُوجَزِ وَغَيْرِهَا: يَلْزَمُ وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَأَبُو طَالِبٍ. وَإِنْ اشْتَعَلَ مَرْكَبُهُمْ نَارًا فَعَلُوا مَا رَأَوْا السَّلَامَةَ فِيهِ وَإِلَّا خُيِّرُوا، كَظَنِّ السَّلَامَةِ فِي الْمَقَامِ وَالْوُقُوعِ فِي الْمَاءِ ظَنًّا مُتَسَاوِيًا، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ الْمُقَامُ نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً وَصَحَّحَهَا: يَحْرُمُ. وَقَالَ شَيْخُنَا: جِهَادُ الدَّافِعِ لِلْكُفَّارِ يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَيَحْرُمُ فِيهِ الْفِرَارُ مِنْ مِثْلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ جِهَادُ ضَرُورَةٍ لَا اخْتِيَارٍ، وَثَبَتُوا يَوْمَ أُحُدٍ وَالْأَحْزَابِ وُجُوبًا، وَكَذَا لَمَّا قَدِمَ التَّتَرُ دِمَشْقَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى مَرْفُوعًا {لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه قَالَ فِي كِتَابِهِ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رضي الله عنه: احْرِصْ عَلَى الْمَوْتِ تُوهَبُ لَك الْحَيَاةُ. وَأَخَذَهُ الشَّاعِرُ فَقَالَ: تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ لِنَفْسِي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الْخَنْسَاءِ: يُهِينُ النُّفُوسَ وَهَوْنُ النُّفُوسِ عِنْدَ الْكَرِيهَةِ أَوْقَى لَهَا وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْجُرْأَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهُمَا اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ. فَالْجَبَانُ يَفِرُّ عَنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَالْجَرِيءُ يُقَاتِلُ عَمَّنْ لَا يَئُوبُ بِهِ إلَى رَحْلِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: يَفِرُّ جَبَانُ الْقَوْمِ عَنْ عُرْسِ نَفْسِهِ وَيَحْمِي شُجَاعُ الْقَوْمِ مَنْ لَا يُنَاسِبُهْ وَيُرْزَقُ مَعْرُوفَ الْجَوَادِ عَدُوُّهُ وَيُحْرَمُ مَعْرُوفَ الْبَخِيلِ أَقَارِبُهْ وَقَوْلُ آخَرَ: وَخَارِجٍ أَخْرَجَهُ حُبُّ الطَّمَعْ فَرَّ مِنْ الْمَوْتِ وَفِي الْمَوْتِ وَقَعْ مَنْ كَانَ يَهْوَى أَهْلَهُ فَلَا رَجَعْ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَتَمَثَّلُ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ: أَكَانَ الْجَبَانُ يَرَى أَنَّهُ سَيُقْتَلُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلْ وَقَدْ تُدْرِكُ الْحَادِثَاتُ الْجَبَانَ وَيَسْلَمُ مِنْهَا الشُّجَاعُ الْبَطَلْ وَمِنْ أَشْعَارِ الْجُبَنَاءِ: أَضْحَتْ تُشَجِّعُنِي هِنْدٌ وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّ الشَّجَاعَةَ مَقْرُونٌ بِهَا الْعَطَبُ لِلْحَرْبِ قَوْمٌ أَضَلَّ اللَّهُ سَعْيَهُمْ إذَا دَعَتْهُمْ إلَى نِيرَانِهَا وَثَبُوا وَلَسْتُ مِنْهُمْ وَلَا أَبْغِي فِعَالَهُمْ لَا الْقَتْلُ يُعْجِبُنِي مِنْهَا وَلَا السَّلْبُ لَا وَاَلَّذِي جَعَلَ الْفِرْدَوْسَ جَنَّتَهُ مَا يَشْتَهِي الْمَوْتَ عِنْدِي مَنْ لَهُ أَرَبُ وَقَالَ أَيْضًا: إنِّي أَضِنُّ بِنَفْسِي أَنْ أَجْوَدَ بِهَا وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ السَّرَفِ مَا أَبْعَدَ الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِ الْجَبَانِ وَمَا أَحَلَّهُ بِالْفَتِيِّ الْحَامِي عَنْ الشَّرَفِ.
وَقَالَ مُهَنَّا قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَنَامُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمُحَجَّرٍ قَالَ مَكْرُوهٌ، وَيُجْزِئُهُ الذِّرَاعُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ وَعْلَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَثَّابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ بِهِ حِجَارٌ