فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 396

حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ رحمه الله أَنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَتَوَقَّفَ فِيهَا وَقَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا أَقُولَ فِيهَا شَيْئًا وَتَوَقَّفَ عَنْهَا

وَمِنْهَا: مَنْ أَنْقَذَ مَالَ غَيْرِهِ مِنْ التَّلَفِ كَمَنْ خَلَّصَ عَبْدَ غَيْرِهِ مِنْ فَلَاة مُهْلِكَةٍ أَوْ مَتَاعَهُ مِنْ مَوْضِعٍ يَكُونُ هَلَاكُهُ فِيهِ مُحَقَّقًا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ بِالْبَحْرِ وَفَمِ السُّبُعِ فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ الْأُجْرَةِ لَهُ فِي الْمَتَاعِ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي فِي الْعَبْدِ أَيْضًا وَحَكَى الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ كَاللُّقَطَةِ وَأَوْرَدَ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَنْ خَلَّصَ مِنْ فَمِ السَّبُعِ شَاةً أَوْ خَرُوفًا أَوْ غَيْرَهُمَا فَهُوَ لِمَالِكِهِ الْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُخَلِّصِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ هَذَا يُخْشَى هَلَاكُهُ وَتَلَفُهُ عَلَى مَالِكِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ فَخَلَّصَ قَوْمٌ الْأَمْوَالَ مِنْ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُمْ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّ فِيهِ حَثًّا وَتَرْغِيبًا فِي إنْقَاذِ الْأَمْوَالِ مِنْ التَّهْلُكَةِ فَإِنَّ الْغَوَّاصَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ وَبَادَرَ إلَى التَّخْلِيصِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى رَدِّ الْآبِقِ وَفِي مُسَوَّدَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِأَبِي الْبَرَكَاتِ: وَعِنْدِي أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَخْلِيصِ الْمَتَاعِ مِنْ الْمَهَالِكِ دُونَ الْآدَمِيِّ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ أَهْلٌ فِي الْجُمْلَةِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ يَكُونُ صَغِيرًا أَوْ عَاجِزًا وَتَخْلِيصُهُ أَهَمُّ وَأَوْلَى مِنْ الْمَتَاعِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ تَفْرِقَةٌ فَأَمَّا مَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ وَنَقَلَ أَبُو جَعْفَرٍ الْجُرْجَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ عَمِلَ فِي قَنَاةِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَالَ لِهَذَا الَّذِي عَمِلَ نَفَقَتُهُ إذَا عَمِلَ مَا يَكُونُ مَصْلَحَةً لِصَاحِبِ الْقَنَاةِ وَهَذِهِ تَتَخَرَّجُ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَاصِبَ يَكُونُ شَرِيكًا بِآثَارِ عَمَلِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُجْبَرَ عَلَى أَخْذِ قِيمَةِ آثَارِ عَمَلِهِ مِنْ الْمَالِكِ لِتَمَلُّكِهَا عَلَيْهِ وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِأَنْ يَكُونَ شَرِيكًا بِآثَارِ عَمَلِهِ إذَا زَادَتْ بِهِ الْقِيمَةُ وَذَكَرَ نَصَّ أَحْمَدَ فِي الْعَمَلِ فِي الْقَنَاةِ مِنْ رِوَايَةِ حَرْبٍ وَابْنِ هَانِئٍ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَحَمَلَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ هَذِهِ النُّصُوصَ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ هُنَا فِي الْقَنَاةِ كَانَ شَرِيكًا فِيهَا وَلَيْسَ فِي الْمَنْصُوصِ شَيْءٌ يُشْعِرُ بِذَلِكَ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ أَقَرَّ النُّصُوصَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَجَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ مُطَّرِدًا فِي كُلِّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا كَغَيْرِهِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ كَحَصَادِ زَرْعِهِ وَالِاسْتِخْرَاجِ مِنْ مَعْدِنِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَخْرِيجًا مِنْ الْعَمَلِ فِي الْقَنَاةِ وَمِنْهُمْ الْحَارِثِيُّ وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ فَلِلْمَالِكِ حِينَئِذٍ أَنْ يُمْضِيَهُ وَيَرُدَّ عِوَضَهُ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَلَهُ أَنْ يُمْضِيَهُ فَيَكُونُ الْعَامِلُ شَرِيكًا بِالْعَمَلِ وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ وَقَرَاتُهُ بِخَطِّهِ فِي الْأَجِيرِ إذَا عَمِلَ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَاجَرِ عَلَيْهَا دُونَ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ رَدَّ عَمَلَهُ وَأَخَذَ وَصَارَ الْأَجِيرُ شَرِيكًا بِعَمَلِهِ وَإِنْ شَاءَ قَبِلَ الْعَمَلَ وَرَجَعَ عَلَى الْأَجِيرِ بِالْأَرْشِ وَذَكَرَ نَصَّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ بِالرُّجُوعِ بِالْأَرْشِ ثُمَّ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَمَلِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ إذَا لَمْ يَاتِ الْحَائِكُ بِالثَّوْبِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْغَزْلِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَنْسُوجًا وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ هَهُنَا بِمَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الْغَزْلِ. ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ الْمَيْمُونِيِّ هَذِهِ وَقَالَ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ اخْتَارَ تَقْوِيمَهُ مَعْمُولًا وَالْتَزَمَ قِيمَةَ الصَّنْعَةِ الَّتِي هِيَ دُونَ الَّتِي وَافَقَهُ عَلَيْهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَعِيدٌ جِدًّا أَنْ يُضَمِّنَ الْمَالِكُ الصَّانِعَ قِيمَةَ الثَّوْبِ مَعَ بَقَائِهِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: يُنْظَرُ مَا بَيْنَهُمَا فَيُرْجَعُ بِهِ عَلَى الصَّانِعِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِالْأَرْشِ خَاصَّةً. وَأَيْضًا فَلَوْ غَصَبَ غَزْلًا وَنَسَجَهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَالِكُ الْتِزَامَهُ بِهِ وَيُطَالِبُهُ بِالْقِيمَةِ فَكَيْفَ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْأَجِيرِ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ اسْتِرْجَاعَ الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ وَدَفْعَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِالرُّجُوعِ بِالْأَرْشِ كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت