فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 396

دُونَ الْعَمْدِيَّةِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ انْتَهَى أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الْمُتَنَاهِيَةَ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ الْعَمْدِيَّةِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى كَوْنِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مُقَيَّدَةً بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى إطْلَاقِهَا لَتَنَاوَلَتْ الْعَمْدَ وَشِبْهَهُ وَالْخَطَأَ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ الَّذِي هُوَ عُقُوبَةٌ كَامِلَةٌ مَشْرُوعًا دُونَ الْعَمْدِيَّةِ أَيْضًا بِمُقْتَضَى إطْلَاقِهَا، وَكَوْنُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مُقَيَّدَة بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ هُوَ الْمُدَّعَى هَا هُنَا، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ حُجَّةً أُخْرَى يَلْزَمُ الْمُصَادَرَةُ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يُفِيدَ الْمُدَّعِي مَا جَعَلَهُ حُجَّةً أُولَى؛ لِأَنَّ نَتِيجَتَهَا عَلَى مُقْتَضَى تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْعَمْدِيَّةَ كَانَتْ حِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا أَكْمَلَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا أَنْ لَا تَتَحَقَّقَ حِكْمَةُ الزَّجْرِ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ أَصْلًا فَيَجُوزُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ أَيْضًا زَجْرًا عَنْهُ فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ فَالصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهُ وَالْمَجْمُوعُ حُجَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ لَفْظَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى تَكَامُلِ الْجِنَايَةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ أَوْ إلَى تَوَفُّرِ حِكْمَةِ الزَّجْرِ كَمَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَقْرَبُ لَا إلَى الْعَمْدِيَّةِ كَمَا زَعَمَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، فَيُفِيدُ مَجْمُوعُ الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الْقَوَدَ الَّذِي هُوَ عُقُوبَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مَسْكَةٍ ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ مَرْجِعَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ بِأَسْرِهَا إلَى الْقِيَاسِ، وَبِهَذَا صَحَّحُوا انْحِصَارَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي أَرْبَعَةٍ، وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَالْقِيَاسُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَا هُنَا وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ إلَخْ رَاجِعٌ إلَى الْقِيَاسِ، وَتَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ نَسْخٌ لِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ قَصْدِ الْوَلِيِّ بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ) يَعْنِي لَا يَتَيَقَّنُ بِعَدَمِ قَصْدِ الْوَلِيِّ لِقَتْلِ الْقَاتِلِ بَعْدَ مَا أَخَذَ الدِّيَةَ لِجَوَازِ أَنْ يَاخُذَهَا الْوَلِيُّ مِنْ الْقَاتِلِ بِدُونِ رِضَاهَا ثُمَّ يَقْتُلَهُ وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ أَقُولُ: لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ شَرْعًا، فَإِنَّ الْقَاتِلَ يَصِيرُ مَحْقُونَ الدَّمِ بَعْدَهُ، حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ الْوَلِيُّ بَعْدَهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَكَوْنُهُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ شَرْعًا يَكْفِي لِأَخْذِ الدِّيَةِ مِنْ الْقَاتِلِ بِدُونِ رِضَاهُ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَخْتَارُ الْهَلَاكَ الْمُقَرَّرَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْخَلَاصِ عَنْهُ شَرْعًا بِأَدَاءِ الْمَالِ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْهَلَاكِ عَقْلًا بَعْدَ أَدَاءِ ذَلِكَ أَيْضًا، فَلَوْ اخْتَارَهُ الْقَاتِلُ وَامْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ الْمَالِ يُعَدُّ ذَلِكَ سَفَهًا وَإِلْقَاءً لِنَفْسِهِ فِي التَّهْلُكَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ: قِيلَ هَذَا الْوَهْمُ مَوْجُودٌ فِيمَا أَخَذَ الْمَالَ صُلْحًا وَقَدْ جَازَ وَأُجِيبُ بِأَنَّ فِي الصُّلْحِ الْمُرَاضَاةَ، وَالْقَتْلُ بَعْدَهُ ظَاهِرُ الْعَدَمِ انْتَهَى وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ رِضَا الْقَاتِلِ لَا يُفِيدُ وَرِضَا الْوَلِيِّ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكْتَفِيَ فِي الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: إنَّ فِي الصُّلْحِ الْمُرَاضَاةَ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ الْأَخْذِ فِيهِ بَعْدَ مَا وُجِدَ رِضَا الْقَاتِلِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ انْتَهَى أَقُولُ: بَحْثُهُ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّ رِضَا الْقَاتِلِ لَا يُفِيدُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ رِضَاهُ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ رِضَا الْوَلِيِّ يُفِيدُ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى رِضَا الْوَلِيِّ وَحْدَهُ، فَإِنَّ التَّصَالُحَ وَالتَّوَافُقَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَقْطَعُ مَادَّةَ الْعَدَاوَةِ وَالْبُغْضِ عَادَةً، وَعَنْ هَذَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} بِخِلَافِ رِضَا الْوَلِيِّ وَحْدَهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَثِيرًا مَا يَنْدَمُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَحْدَهُ فَيَرْجِعُ عَنْهُ فَتَمَّ قَوْلُ الْمُجِيبِ وَالْقَتْلُ بَعْدَهُ ظَاهِرُ الْعَدَمِ، وَقَدْ كَانَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَشَارَ إلَى مَا قُلْنَا حَيْثُ قَالَ فِي بَسْطِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ: قُلْتُ لَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَصَالَحَا بِرِضَاهُمَا عَلَى الْمَالِ كَانَ وَهُوَ قَصْدُ الْقَتْلِ مُنْدَفِعًا؛ لِأَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت