الْجُهَّالِ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) ا هـ. بِاخْتِصَارٍ، وَقَوْلُهُ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ الْقَضَاءِ: وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ لَيْسَ هُوَ غَلَطًا وَإِنَّمَا هُوَ نَظَرٌ لِلْغَالِبِ الَّذِي هُوَ كَالْمُحَقَّقِ، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ الْبَشَرِيَّةَ وَاحِدَةٌ وَمَا جَازَ عَلَى الْمِثْلِ يَجُوزُ عَلَى مُمَاثِلِهِ، وَالْعَيْبُ يَحْدُثُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، وَالنَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَالْإِمَارَةِ وَالْمَيْلِ لِلنَّفْسِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَصْحَابِ وَمَنْ يُعَامِلُهَا بِخَيْرٍ فَالتَّحْذِيرُ مِنْ الْقَضَاءِ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ وَتَقْدِيمِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَمِنْ بَابِ قَوْلِ الْقَائِلِ: إنَّ السَّلَامَةَ مِنْ سَلْمَى وَجَارَتِهَا أَلَّا تَحِلَّ عَلَى حَالٍ بِوَادِيهَا (وَقَدْ سَمِعْت) مِنْ بَعْضِ أَشْيَاخِي - رحمه الله - أَنَّ أَمِيرًا وَلَّى إنْسَانًا خُطَّةَ الْحِسْبَةِ ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ طَلَبَ مِنْ الْأَمِيرِ أَنْ يُخَلِّيَهُ عَنْ تِلْكَ الْخُطَّةِ وَيُوَلِّيَهَا لِغَيْرِهِ فَقَالَ لَهُ: لِمَ؟ فَقَالَ: إنَّ النَّاسَ يُهْدُونَ لِي وَيُعَامِلُونَنِي بِخَيْرٍ لَمَّا تَوَلَّيْت وَلَا أَقْدِرُ أَنْ أَحْكُمَ عَلَى مَنْ يُعَامِلُنِي بِخَيْرٍ بِمَا يَكْرَهُ فَانْظُرْ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ غَالِبًا وَأَمَّا مَنْ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً وَلَا يَمِيلُ لِغَرَضٍ وَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ فَهُوَ قَلِيلٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَهُوَ مِمَّا يُسْمَعُ بِهِ وَلَا يُرَى تَغَمَّدَ اللَّهُ الْجَمِيعَ بِرَحْمَتِهِ
فَصْلٌ فِي الْأَكْلِ أَيْ فِي بَيَانِ أَحْوَالِ الْأَكْلِ (مِنْهُ) أَيْ بَعْضِ الْأَكْلِ وَكَذَا الشُّرْبُ (فَرْضٌ وَهُوَ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْهَلَاكُ) وَفِي تَرْكِهِ إلْقَاءُ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ فَإِنْ هَلَكَ فَقَدْ عَصَى وَبِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ عليه الصلاة والسلام {إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُؤْجِرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى اللُّقْمَةُ يَرْفَعُهَا الْعَبْدُ إلَى فِيهِ} . (وَ) بَعْضُهُ (مَنْدُوبٌ وَهُوَ مَا زَادَ) عَلَى مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْهَلَاكُ (لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّلَاةِ قَائِمًا وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ) لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِمَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ طَاعَةٌ وَسُئِلَ أَبُو ذَرٍّ عَنْ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ فَقَالَ الصَّلَاةُ وَأَكْلُ الْخَبْزِ. (وَ) بَعْضُهُ (مُبَاحٌ) أَيْ لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا وِزْرَ (وَهُوَ مَا زَادَ) مُنْتَهِيًا (إلَى الشِّبَعِ لِزِيَادَةِ قُوَّةِ الْبَدَنِ) . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَوْ أَكَلَ لِلسَّمْنِ كُرِهَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ مُقَاتِلٍ وَعَنْ أَبِي مُطِيعٍ لَا بَاسَ بِأَكْلِهَا خُبْزًا مَكْسُورًا فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ لِلسِّمَنِ وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ رُزِقَ بَطْنًا عَظِيمًا خِلْقَةً لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَمَّدَ السِّمَنَ وَلَوْ أَكَلَ أَلْوَانَ الطَّعَامِ ثُمَّ تَقَيَّأَ فَوَجَدَ نَافِعًا فَلَا بَاسَ بِهِ لِأَنَّهُ عِلَاجٌ. (وَ) بَعْضُهُ (حَرَامٌ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الشِّبَعِ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ وَأَمْرَاضٌ لِلنَّفْسِ وَلِأَنَّهُ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ قَالَ عليه الصلاة والسلام {لَا خَيْرَ فِي الشِّبَعِ وَلَا فِي الْجُوعِ خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا} (إلَّا لِقَصْدِ التَّقْوَى عَلَى صَوْمِ الْغَدِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً (أَوْ لِئَلَّا يَسْتَحِيَ الضَّيْفُ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمْسَكَ وَالضَّيْفُ لَمْ يَشْبَعْ رُبَّمَا يَسْتَحْيِ فَلَا يَاكُلُ حَيَاءً أَوْ خَجَلًا فَلَا بَاسَ بِأَكْلِهِ مَعَهُ فَوْقَ الشِّبَعِ لِئَلَّا يَكُونَ مِمَّنْ أَسَاءَ الْقِرَى وَهُوَ مَذْمُومٌ عَقْلًا وَشَرْعًا (وَلَا تَجُوزُ الرِّيَاضَةُ بِتَقْلِيلِ الْأَكْلِ حَتَّى يَضْعُفَ عَنْ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ) قَالَ عليه الصلاة والسلام {إنَّ نَفْسَك مَطِيَّتُك فَارْفُقْ بِهَا} وَلَيْسَ مِنْ الرِّفْقِ أَنْ تُجِيعَهَا وَتُذِيبَهَا وَلِأَنَّ تَرْكَ الْعِبَادَةِ لَا يَجُوزُ فَكَذَا مَا يُفْضِي إلَيْهِ وَأَمَّا تَجْوِيعُ النَّفْسِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ فَهُوَ مُبَاحٌ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ) وَلَا يَتَكَلَّفُ لِتَحْصِيلِ جَمِيعِ شَهَوَاتِهِمْ وَلَا يَمْنَعُهُمْ جَمِيعًا بَلْ يَكُونُ وَسَطًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} {وَلَا يَسْتَدِيمُ الشِّبَعُ قَالَ عليه السلام أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا} (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ لَزِمَهُ) أَيْ مِنْ الْكَسْبِ لِمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْكَسْبِ (لَزِمَهُ السُّؤَالُ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اكْتِسَابٍ لَكِنْ لَا يَحِلُّ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ قَالَ عليه السلام {السُّؤَالُ آخَرُ كَسْبِ الْعَبْدِ} (فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ السُّؤَالَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ (حَتَّى مَاتَ) مِنْ جُوعِهِ (أَثِمَ) لِأَنَّهُ أَلْقَى نَفْسَهُ إلَى التَّهْلُكَةِ فَإِنَّ السُّؤَالَ يُوَصِّلُهُ إلَى مَا تَقُومُ بِهِ نَفْسُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْكَسْبِ وَلَا ذُلَّ فِي السُّؤَالِ فِي