عُرِفَتْ آنِفًا (هِيَ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صلى الله تعالى عليه وسلم أُرْسِلَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} فَلِذَا كَانَ صلى الله تعالى عليه وسلم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا وَمِنْ رَحْمَتِهِ وَشَفَقَتِهِ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى جُمْلَةِ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ بَلْ كَانَ حَرِيصًا فِي هِدَايَتِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا يَنْفَعُهُمْ وَمِنْ رَحْمَتِهِ وَشَفَقَتِهِ طَلَبُ خِفَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنْ خَمْسِينَ إلَى خَمْسٍ وَكَانَ يَغْضَبُ مِنْ سُؤَالِ الْأَحْكَامِ الشَّاقَّةِ مَخَافَةَ نُزُولِ مَشْرُوعِيَّتِهَا قَائِلًا اُتْرُكُونِي مَا تَرَكَتْكُمْ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} . قَالَ {لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ} (وَ) هُوَ (مُؤَيَّدٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقْوَى) أَيْ يَقْدِرُ (عَلَى مَا) مِنْ الطَّاعَاتِ الشَّاقَّةِ (لَا يَقْوَى عَلَيْهِ آحَادُ الْأُمَّةِ) إذْ شَانُ مَنْ كَانَ مُؤَيَّدًا مِنْ عِنْدِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَّلَ لَهُ الْمَحَاسِنَ خَلْقًا وَخُلُقًا وَجَمَعَ لَهُ الْفَضَائِلَ الدِّينِيَّةَ كُلَّهَا نَسَقًا فَإِنْ قِيلَ التَّحَمُّلُ بِالْمَشَاقِّ الْبَدَنِيَّةِ وَلَوْ لِلْعِبَادَةِ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ التَّايِيدِ الْإِلَهِيِّ حَتَّى يَصِحَّ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ قُلْت حَاصِلُ ذَلِكَ الْجَوَابُ رَاجِعٌ إلَى مُقَاسَاةِ مِحَنِ الطَّاعَةِ مِنْ قَبِيلِ الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ لُزُومِ الْقُوَّةِ الْبَدَنِيَّةِ كُلُّ مَا يُكْمِلُ بِهِ عَادَةً وَيُعَدُّ مِنْ كَمَالِ الْإِنْسَانِ عُرْفًا فَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ صلى الله تعالى عليه وسلم كَمَا فِي الشِّفَاءِ (وَأَنَّهُ أَخْشَى النَّاسِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَأَتْقَاهُمْ) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (وَأَعْلَمُهُمْ بِاَللَّهِ) ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ (فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْبُخْلُ) ؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ نَافِيَةٌ لَهُ (وَتَرْكُ النُّصْحِ) كَأَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلْبُخْلِ وَأَنَّ مُوجِبَ كَوْنِهِ رَحْمَةً أَنْ يُوَضِّحَ كُلَّ مَا يَنْفَعُ لِلْأُمَّةِ (وَلَا التَّوَانِي) أَيْ الضَّعْفُ وَالْفُتُورُ فِي إتْيَانِهِ وَتَبْلِيغِهِ لَكَانَ تَقَوِّيهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا التَّكَاسُلُ) ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ خَشْيَةٌ رَبَّانِيَّةٌ لَا يَتَكَاسَلُ فِي طَرِيقِهِ سِيَّمَا مَنْ كَانَ لَهُ وُسْعٌ وَتَقْوَى فَالتَّوَانِي مِمَّنْ لَهُ ضَعْفٌ فِي ذَاتِهِ وَالتَّكَاسُلُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ ضَعْفٌ بَلْ لَهُ قُوَّةٌ وَلَكِنْ يَتَكَاسَلُ فَلَيْسَ عَطْفًا لَهُ كَمَا تَوَهَّمَ. (وَلَا الْجَهْلُ) لَهُ فِيمَا يَنْفَعُهُمْ سِيَّمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمْ كَالْإِفْرَاطِ فِي الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَانِهِ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ فَلَا يُتَصَوَّرُ لَهُ الْجَهْلُ (فِي أَمْرِ الدِّينِ) الظَّاهِرُ مَعْنَى كَوْنِهِ قَيْدًا لِلْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ لَفْظًا كَوْنُهُ قَيْدًا لِلْأَخِيرِ فَقَطْ وَأَيْضًا هَذَا هُوَ الْمُلَائِمُ لِقَاعِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ الْقَيْدَ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ هَلْ لِلْمُجْتَمِعِ أَوْ لِلْأَخِيرِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ (فَلَوْ كَانَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى طَرِيقٌ) مَوْصُولٌ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (أَفْضَلُ وَأَنْفَعُ غَيْرَ مَا) أَيْ طَرِيقٍ (هُوَ) صلى الله تعالى عليه وسلم (فِيهِ) فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ (لَفَعَلَهُ) صلى الله تعالى عليه وسلم (أَوْ بَيَّنَهُ وَحَثَّ) أَغْرَى وَحَرَّضَ (عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ هَادِي الْأُمَّةِ وَمُبَلِّغُ الْأَمَانَةِ وَنَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (فَنَجْزِمُ قَطْعًا أَنَّ) جَمِيعَ (مَا هُوَ عَلَيْهِ صلى الله تعالى عليه وسلم) أَقْوَالًا وَأَفْعَالًا وَأَحْوَالًا (وَأَفْضَلُ) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَنْفَعُ) لِلْعَابِدِ (وَأَقْرَبُ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ مِنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الْأَخِيرِ فَقَطْ وَلَوْ خُصَّ بِذَلِكَ فَلَا يَخْلُو عَنْ وَجْهٍ إذْ الْكُلُّ رَاجِعٌ إلَى رِضَاهُ تَعَالَى وَمُعْظَمُ مَقْصُودِ الْمُتَصَوِّفَةِ هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ. هَذَا ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ أَوْ بَيَّنَهُ إنْ أَرَادَ الْبَيَانَ التَّفْصِيلِيَّ فَلَا نُسَلِّمُ لُزُومَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ عَمَلٍ شَرْعِيٍّ وَأَنَّ الْإِجْمَالِيَّ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ صُدُورِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ رَسُولِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم بَلْ ظَاهِرٌ نَحْوُ قوله تعالى {وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} . وَقَوْلِهِ {وَمَا خَلَقْت الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، وَقَوْلِهِ {كَلًّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} وَقَوْلِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم عَلَامَةُ إعْرَاضِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِهِ اشْتِغَالُهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَأَنَّ امْرَأً لَوْ أَذْهَبَ سَاعَةً مِنْ عُمْرِهِ إلَى غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ لَجَدِيرٌ أَنْ تَطُولَ حَسْرَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَوْلُهُ لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا وَنَحْوُهَا بَيَانٌ إجْمَالِيٌّ لِجَمِيعِ مَا أَتَى بِهِ السَّلَفُ مِمَّا عُدَّ إفْرَاطًا فَمَا عَلَيْهِ