ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان، أمر بالإحسان عموما فقال: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم.
ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك، الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملا، والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضا، الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم:"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك"
فمن اتصف بهذه الصفات، كان من الذين قال الله فيهم: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره. ويثيبهم
غير باغ""
أي: غير طالب للمحرم مع قدرته على الحلال أو مع عدم جوعه
"ولا عاد"
أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطرارا فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال وأكل بقدر الضرورة فلا يزيد عليها فلا إثم [أي: جناح] عليه وإذا ارتفع الجناح رجع الأمر إلى ما كان عليه والإنسان بهذه الحالة مأمور بالأكل بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة وأن يقتل نفسه
فيجب إذا عليه الأكل ويأثم إن ترك الأكل حتى مات فيكون قاتلا لنفسه وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال:
"إن الله غفور رحيم"
ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين وكان الإنسان في هذه الحالة ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها أخبر تعالى أنه غفور فيغفر له ما أخطأ فيه في هذه الحال خصوصا وقد غلبته الضرورة وأذهبت حواسه المشقة
وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: الضرورات تبيح المحظورات فكل محظور اضطر له الإنسان فقد أباحه له الملك الرحمن [فله الحمد والشكر أولا وآخرا وظاهرا وباطنا]
إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين""
على وجه التقرير له، لا الإنكار. ومنها: أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه، على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا يكون ذلك نميمة ـ بل قد يكون واجبا ـ كما أخبر ذلك الرجل موسى، ناصحا له ومحذرا. ومنها: أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة، فإنه لا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يستسلم لذلك، بل يذهب عنه، كما فعل موسى. ومنها: أنه عند تزاحم المفسدتين، إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما فإنه يرتكب الأخف منهما والأسلم. كما أن موسى، لما دار الأمر بين بقائه في مصر، ولكنه يقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة، التي لا يعرف الطريق إليها، وليس معه دليل يدله غير ربه، ولكن هذه الحالة أرجى للسلامة من الأولى، فتبعها موسى. ومنها: أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه الصواب من القولين، بعد أن يقصد بقلبه الحق، ويبحث عنه، فإن الله لا يخيب من هذه حاله. كما خرج موسى تلقاء مدين فقال:"عسى ربي أن يهديني سواء السبيل"