وما روي عن عمر رضي اللَّه عنه أنه قال: «إذا مر أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتّخذ ثبانًا» .
قال أبو عبيد: قال أبو عمرو هو يحمل الوعاء الذي يحمل فيه الشاء، فإن حملته بين يديك فهو ثبان، يقال قد تثبنت ثبانًا، فإن حملته على ظهرك فهو الحال، يقال منه قد تحولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئًا ثم حملته على ظهرك،
فإن جعلته في حضنك فهو خبنة ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع: «ولا يتخذ خبنة» يقال فيه خبنت أخبن خبنًا، قاله القرطبي.
وما روي عن أبي زينب التيمي، قال: سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرحمان بن سمرة، وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون بأفواههم، نقله صاحب «المغني» )، وحمل أهل القول الأول هذه الأحاديث والآثار على حال الضرورة، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن عباد بن شرحبيل اليشكري الغبري رضي اللَّه عنه قال: أصابتنا عامًا مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطًا من حيطانها فأخذت سنبلًا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «ما أطعمته إذ كان جائعًا أو ساغبًا، ولا علمته إذ كان جاهلًا» ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فردّ إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق، فإن في هذا الحديث الدلالة على أن نفي القطع والأدب إنما هو من أجل المخمصة.
وقال القرطبي في «تفسيره» ، عقب نقله لما قدّمنا عن عمر رضي اللَّه عنه قال أبو عبيد: وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر، الذي لا شاء معه يشتري به، ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته ثم قال: قلت: لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه.
فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز. ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم، واللَّه أعلم. اهـ منه.
وحجة من قال بالفرق بين المحوط وبين غيره، أن إحرازه بالحائط دليل على شحّ صاحبه به وعدم مسامحته فيه، وقول ابن عباس إن كان عليها حائط فهو حرام فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، نقله صاحب «المغني» ، وغيره. وما ذكره بعض أهل العلم من الفرق بين مال المسلم فيجوز عند الضرورة وبين مال الكتابي (الذمي) فلا يجوز بحال غير ظاهر.
ويجب حمل حديث العرباض بن سارية عند أبي داود الوارد في المنع من دخول بيوت أهل الكتاب، ومنع الأكل من ثمارهم إلا بإذن على عدم الضرورة الملجئة إلى أكل الميتة، والعلم عند اللَّه تعالى.
وقد فهم من فهم من قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} انغماس الرجل في العدو. حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضاة الله، وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها.
وقال الصديق رضي الله عنه: أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بالعقاب من عنده» فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها.