فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 396

وَإِنْ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ: (أَصَحُّهُمَا) يَلْزَمُهُ التَّمَادِي لِاسْتِوَاءِ الْجُهْدَيْنِ فِي حَقِّهِ (وَالثَّانِي) لَا، قَالُوا: وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ فِي الرُّجُوعِ مِنْ مَكَّةَ إلَى وَطَنِهِ طَرِيقٌ فِي الْبَرِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ قَطْعًا، لِئَلَّا يَتَحَمَّلَ زِيَادَةَ الْخَطَرِ بِرُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الرُّجُوعِ مِنْ الْحَجِّ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ أُحْصِرَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ وَأَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَهَلْ لَهُ التَّحَلُّلُ أَمْ لَا؟ وَسَنُوَضِّحُهُمَا فِي مَوْضِعِهِمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. هَذَا كُلُّهُ فِي الرَّجُلِ (أَمَّا) الْمَرْأَةُ فَإِنْ لَمْ نُوجِبْ رُكُوبَ الْبَحْرِ عَلَى الرَّجُلِ فَهِيَ أَوْلَى وَإِلَّا فَفِيهَا خِلَافٌ (وَالْأَصَحُّ) الْوُجُوبُ (وَالثَّانِي) الْمَنْعُ لِضَعْفِهَا عَنْ احْتِمَالِ الْأَهْوَالِ، وَلِكَوْنِهَا عَوْرَةً مُعَرَّضَةً لِلِانْكِشَافِ وَغَيْرِهِ لِضِيقِ الْمَكَانِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ عَلَيْهَا لَمْ يُسْتَحَبَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ فِي اسْتِحْبَابِهِ: لَهَا حِينَئِذٍ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي الرَّجُلِ، وَحَكَى الْبَنْدَنِيجِيُّ قَوْلَيْنِ. هَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الْبَحْرِ (أَمَّا) الْأَنْهَارُ الْعَظِيمَةُ كَدِجْلَةَ وَسَيْحُونَ وَجَيْحُونَ وَغَيْرِهَا فَيَجِبُ رُكُوبُهَا قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الْمُقَامَ فِيهَا لَا يَطُولُ وَلَا يَعْظُمُ الْخَطَرُ فِيهَا وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهًا شَاذًّا ضَعِيفًا أَنَّهُ كَالْبَحْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا حَكَمْنَا بِتَحْرِيمِ رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلْحَجِّ عِنْدَ غَلَبَةِ الْهَلَاكِ كَمَا سَبَقَ فَيَحْرُمُ رُكُوبُهُ لِلتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ، وَكَذَا الْمَنْدُوبَةُ أَوْلَى، وَهَلْ يَحْرُمُ رُكُوبُهُ فِي الذَّهَابِ إلَى الْعَدُوِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا: (أَحَدُهُمَا) يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْخَطَرَ الْمُحْتَمَلَ فِي الْجِهَادِ هُوَ الْحَاصِلُ بِسَبَبِ الْقَتْلِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ، وَ (الثَّانِي) لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْعَدُوِّ يُنَاسِبُهُ، فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْجِهَادُ مَبْنِيًّا عَلَى الْعَدُوِّ لَمْ يَنْفُذْ احْتِمَالُ الْعَدُوِّ فِي السَّبَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا كَانَ الْبَحْرُ مُغْرِقًا أَوْ كَانَ قَدْ اغْتَلَمَ وَمَاجَ، حَرُمَ رُكُوبُهُ لِكُلِّ سَفَرٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَصْحَابُ. (فَرْعٌ) مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَجُّ فِي الْبَحْرِ إنْ غَلَبَتْ فِيهِ السَّلَامَةُ، وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ، وَمِمَّا جَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ {: لَا يَرْكَبَنَّ أَحَدٌ بَحْرًا لَا غَازِيًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ حَاجًّا وَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ - رحمه الله تعالى -. وَأَمَّا غَيْرُ الْحَيَوَانِ فَضَرْبَانِ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ (فَأَمَّا) النَّجِسُ فَلَا يُؤْكَلُ لقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ} وَالنَّجِسُ خَبِيثٌ، وَرُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الْفَارَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ} فَلَوْ حَلَّ أَكْلُهُ لَمْ يَامُرْ بِإِرَاقَتِهِ (وَأَمَّا) الطَّاهِرُ فَضَرْبَانِ (ضَرْبٌ) يَضُرُّ (وَضَرْبٌ) لَا يَضُرُّ، فَمَا يَضُرُّ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ كَالسُّمِّ وَالزُّجَاجِ وَالتُّرَابِ وَالْحَجَرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَأَكْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَهْلُكَةٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحِلَّ، وَمَا لَا يَضُرُّ يَحِلُّ أَكْلُهُ كَالْفَوَاكِهِ وَالْحُبُوبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ}

الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ فَارَةِ السَّمْنِ فَبَعْضُهُ فِي الصَّحِيحِ وَبَعْضُهُ فِي غَيْرِهِ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ فَارَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ {أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ} وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إذَا وَقَعَتْ الْفَارَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت