فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 592

فإن قيل: كيف تأولت أمر الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه وجعلتهم أهل بغي؟ وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا من أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قلنا: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان: منها قرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ. ومنها: أن القوم كانوا جهالًا بأمور الدين، وكان عهدهم بالإسلام قريبا فدخلتهم الشبهة فعذروا، فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرا، كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلًا حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئا منها جهلًا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه، فأما ما كان الإجماع فيه معلوما من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدا لا يرث، وأن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة. قال الخطابي رحمه الله: وإنما عرضت الشبهة لمن تأوله على الوجه الذي حكيناه عنه لكثرة ما دخله من الحذف في رواية أبي هريرة، وذلك لأن القصد به لم يكن سياق الحديث على وجهه وذكر القصة في كيفية الردة منهم، وإنما قصد به حكاية ما جرى بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وما تنازعاه في استباحة قتالهم، ويشبه أن يكون أبو هريرة إنما لم يعن بذكر جميع القصة اعتمادا على معرفة المخاطبين بها إذ كانوا قد علموا كيفية القصة، ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر أن عبد الله بن عمر وأنسا رضي الله عنهم روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة. ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلَه إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله"

وفي رواية أنس رضي الله عنه:"أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلَه إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين"والله أعلم. هذا آخر كلام الخطابي رحمه الله. قلت: وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب من رواية أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلَه إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحقها". وفي استدلال أبي بكر واعتراض عمر رضي الله عنهما دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة، وكأن هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادات التي في رواياتهم في مجلس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت