آخر، فإن عمر رضي الله عنه لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث، فإنه بهذه الزيادة حجة عليه، ولو سمع أبو بكر رضي الله عنه هذه الزيادة لاحتج بها ولما احتج بالقياس والعموم والله أعلم.
قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلَه إلا الله، فمن قال لا إلَه إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) قال الخطابي رحمه الله: معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون: لا إلَه إلا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف، قال: ومعنى"وحسابه على الله"أي فيما يستسرون به ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة، قال: ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر قبل إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل. ويحكى ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنهما، هذا كلام الخطابي. وذكر القاضي عياض معنى هذا وزاد عليه وأوضحه فقال: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: لا إلَه إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركوا العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله: لا إلَه إلا الله، إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الاَخر:"وأني رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة"هذا كلام القاضي. قلت: ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة هي مذكورة في الكتاب:"حتى يشهدوا أن لا إلَه إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به"والله أعلم. قلت: اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه: لأصحابنا أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقا للأحاديث الصحيحة المطلقة. والثاني: لا تقبل ويتحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الاَخرة وكان من أهل الجنة. والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتداء من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف فلا. والخامس: إن كان داعيا إلى الضلال لم يقبل منه وإلا قبل منه، والله أعلم. قوله رضي الله عنه: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) ضبطنا بوجهين: فرق وفرق بتشديد الراء وتخفيفها ومعناه: من أطاع في الصلاة وجحد الزكاة أو منعها، وفيه جواز الحلف وإن كان في غير مجلس الحاكم، وأنه ليس مكروها إذا كان لحاجة من تفخيم أمر ونحوه. قوله: (والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه) هكذا في مسلم عقالًا، وكذا في بعض روايات البخاري، وفي بعضها: عناقا بفتح العين وبالنون وهي الأنثى من ولد المعز، وكلاهما صحيح، وهو محمول على أنه كرر الكلام مرتين، فقال في مرة: عقالًا، وفي الأخرى: عناقا، فروي عنه اللفظان. فأما رواية العناق فهي محمول على ما إذا كانت الغنم صغارا كلها بأن ماتت أماتها في بعض الحول، فإذا حال حول الأمات زكى السخال الصغار بحول الأمات، سواء بقي من الأمات شيء أم لا، هذا هو الصحيح المشهور. وقال أبو القاسم الأنماطي من أصحابنا: لا يزكى الأولاد بحول الأمات إلا أن يبقى من الأمات نصاب. وقال بعض أصحابنا: إلا أن يبقى من الأمهات شيء. ويتصور ذلك فيما إذا مات معظم الكبار وحدثت صغار