فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 592

صحيح أيضا. ويجوز أن يراد: منعوني عقالًا أي منعوني الحبل نفسه، على مذهب من يجوز القيمة ويتصور على مذهب الشافعي رحمه الله على أحد أقواله، فإن للشافعي في الواجب في عروض التجارة ثلاثة أقوال: أحدها: يتعين أن يأخذ منها عرضا حبلًا أو غيره كما يأخذ من الماشية من جنسها. والثاني: أنه لا يأخذ إلا دراهم أو دنانير ربع عشر قيمته كالذهب والفضة. والثالث: يتخير بين العرض والنقد والله أعلم. وحكى الخطابي عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها، وإنما يقع قبضها التام برباطها. قال الخطابي قال ابن عائشة: كان من عادة المصدق إذا أخذ الصدقة أن يعمد إلى قرن وهو بفتح القاف والراء وهو حبل فيقرن به بين بعيرين أي يشده في أعناقهم لئلا تشرد الإبل. وقال أبو عبيد: وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضتين عقالهما وقرانهما. وكان عمر رضي الله عنه أيضا يأخذ مع كل فريضة عقالًا والله أعلم. قوله: (فما هو إلا أن رأيت الله تعالى قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق) معنى رأيت علمت وأيقنت، ومعنى شرح فتح ووسع ولين، ومعناه: علمت بأنه جازم بالقتال لما ألقى الله سبحانه وتعالى في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصوابه ذلك. ومعنى قوله: عرفت أنه الحق أي بما أظهر من الدليل وأقامه من الحجة، فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه هو الحق لا أن عمر قلد أبا بكر رضي الله عنهما، فإن المجتهد لا يقلد المجتهد، وقد زعمت الرافضة أن عمر رضي الله عنه إنما وافق أبا بكر تقليدا، وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى: (أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلَه إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به) فيه بيان ما اختصر في الروايات الأخر من الاقتصار على قول: لا إلَه إلا الله، وقد تقدم بيان هذا، وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها، خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا في كونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأ ظاهر، فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بالتصديق بما جاء به صلى الله عليه وسلم ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي، وقد تقدم ذكر هذه القاعدة في أول الإيمان والله أعلم.

قوله: (ثم قرأ: {إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} ) قال المفسرون معناه: إنما أنت واعظ، ولم يكن صلى الله عليه وسلم أمر إذ ذاك إلا بالتذكير، ثم أمر بعد بالقتال، والمسيطر المسلط، وقيل: الجبار، وقيل: الرب، والله أعلم. واعلم أن هذا الحديث بطرقه مشتمل على أنواع من العلوم وجمل من القواعد، وأنا أشير إلى أطراف منها مختصرة، ففيه أدل دليل على شجاعة أبي بكر رضي الله عنه وتقدمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة أنعم الله تعالى بها على المسلمين بعد رسول الله صلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت