السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب [النساء: 17] قال: هذه في أهل الإيمان {و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن} [النساء: 18]
قال: هذه في أهل النفاق: {و لا الذين يموتون و هم كفار} [النساء: 18] قال: هذه في أهل الشرك هذا مع أنه الراوي عن أصحاب محمد عليه الصلاة و السلام فيما أظن أنهم قالوا: كل من أصاب ذنبا فهو جاهل بالله و كل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب
و يدل على ما قال أن المنافق إذا أخذ ليقتل و رأى السيف فقد حضره الموت بدليل دخول مثل هذا في عموم قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} [البقرة: 180] و قوله تعالى: {بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] و قد قال حين حضره الموت: {إني تبت الآن} فليست له توبة كما ذكره الله سبحانه نعم إن تاب توبة صحيحة فيما بينه و بين الله لم يكن ممن قال: {إني تبت الآن} بل يكون ممن تاب عن قريب لأن الله سبحانه إنما نفى التوبة عمن حضره الموت و تاب بلسانه فقط و لهذا قال في الأول: {ثم يتوبون} و قال هنا: {إني تبت الآن} فمن قال: [إني تبت] قبل حضور الموت أو تاب توبة صحيحة بعد حضور أسباب الموت صحت توبته
و ربما استدل بعضهم بقوله تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} الآيتين [غافر: 84، 85] و بقوله تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق} الآية [يونس: 90] و قوله سبحانه: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها} الآية [يونس: 98] فوجه الدلالة أن عقوبة الأمم الخالية بمنزلة السيف للمنافقين ثم أولئك إذا تابوا بعد معانيه العذاب لم ينفعهم فكذلك المنافق و من قال هذا فرق بينه و بين الحربي بأنا لا نقاتله عقوبة له على كفره بل نقاتله ليسلم فإذا أسلم فقد أتى بالمقصود و المنافق إنما يقاتل عقوبة لا ليسلم فإنه لم يزل مسلما و العقوبات لا تسقط بالتوبة بعد مجيء البأس و هذا كعقوبات سائر العصاة فهذه طريقة من يقتل الساب لكونه منافقا
و فيه طريقة أخرى و هي أن سب النبي صلى الله عليه و سلم بنفسه موجب للقتل مع قطع النظر عن كونه مجرد ردة فإنا قد بينا أن موجب القتل و بينا أنه جناية غير الكفر إذا لو كان ردة محضة و تبديلا للدين و تركا له لما جاز للنبي عليه الصلاة و السلام العفو عمن كان يؤذيه كما لا يجوز العفو عن المرتد و لما قتل الذين سبوه و قد عفا عمن قاتل و حارب
و قد سذكرنا أدلة أخرى على ذلك فيما تقدم ولأن التنقص و السب قد يصدر عن الرجل مع اعتقاد النبوة و الرسالة لكن لما وجب تعزير الرسول و توقيره بكل طريق غلظت عقوبة من انتهك عرضه بالقتل فصار قتله حدا من الحدود لأن سبه نوع من الفساد في الأرض كالمحاربة باليد لا لمجرد كونه بدل الدين و تركه و فارق الجماعة و إذا كان كذلك لم يسقط بالتوبة كسائر الحدود غير عقوبة الكفر و تبديل الدين قال الله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو