تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفقوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم [المائدة: 34]
فثبت بهذه الآية أن من تاب بعد أن قدر عليه لم تسقط عنه العقوبة و كذلك قال سبحانه: {و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسب نكالا من الله و الله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه و أصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم} [المائدة: 39]
فأمر بقطع أيديهم جزاء على ما مضى و نكالا عن السرقة في المستقبل منهم و من غيرهم و أخبر أن الله يتوب على من تاب و لم يدرأ القطع بذلك لأن القطع له حكمتان: الجزاء و النكال و التوبة تسقط الجزاء و لا تسقط النكال فإن الجاني متى علم أنه إذا تاب لم يعاقب لم يردع ذلك الفساق و لم يزجرهم عن ركوب العظائم فإن إظهار التوبة و الإصلاح لمقصود حفظ النفس و المال سهل
و لهذا لم نعلم خلافا نعتمده أن السارق أو الزاني لو أظهر التوبة بعد ثبوت الحد عليه عند السلطان لم يسقط الحد عنه و قد رجم النبي عليه الصلاة و السلام ماعزا و الغامدية و أخبر بحسن توبتهما و حسن مصيرهما و كذلك لو قيل: [إن سب النبي صلى الله عليه و سلم يسقط التوبة و تجديد الإسلام] لم يردع ذلك الألسن عن انتهاك عرضه و لم يزجر النفوس عن استحلال حرمته بل يؤذيه الإنسان بما يريد و يصيب من عرضه ما شاء من أنواع السب و الأذى ثم يجدد إسلامه و يظهر إيمانه و قد ينال المرء من عرضه و يقع منه تنقض له و استهزاء ببعض أقواله أو أعماله و إن لم يكن منتقلا من دين إلى دين فلأنه [لا] يصعب على من هذه سبيله كلما نال من عرضه و استخف بحرمته أن يجدد إسلامه بخلاف الردة المجردة عن الدين فإن سقوط القتل فيها بالعود إلى الإسلام لا يوجب اجتراء الناس على الردة أو الانتقال عن الدين [لأن الانتقال عن الدين] لا يقع إلا عن شبهة قادحة في القلب أو شهود قامعة للعقل فلا يكون قبول التوبة من المرتد محرضا للنفوس على الردة و يكون ما يتوقعه من خوف القتل زاجرا له عن الكفر فإنه إذا أظهر ذلك لا يتم مقصوده لعلمه بأنه يجبر على العود إلى الإسلام و هنا من فيه استخفاف أو اجتراء أو سفاهة تمكن من انتقاص النبي صلى الله عليه و سلم و عيبه و الطعن عليه كلما شتم يجدد الإسلام و يظهر التوبة
و بهذا يظهر أن السب و الشتم يظهر الفساد في الأرض الذي يوجب الحد اللازم من الزنا و قطع الطريق و السرقة و شرب الخمر فإن مريد هذه المعاصي إذا علم أنه تسقط عنه العقوبة إذا تاب فعلها كلما شاء كذلك من يدعوه ضعف عقله أو ضعف دينه إلى الانتقاص برسول الله صلى الله عليه و سلم إذا علم أن التوبة تقبل منه أتى ذلك متى شاء ثم تاب منه و قد حصل مقصوده بما قاله كما حصل مقصود أولئك بما فعلوه بخلاف مريد الردة فإن مقصوده لا يحصل إلا بالمقام عليها و ذلك لا يحصل له إذا قتل إن لم يرجع فيكون ذلك رادعا له و هذا الوجه لا يخرج السب عن أن يكون ردة و لكن حقيقته أنه نوع من الردة يغلظ بما فيه من انتهاك عرض رسول الله صلى الله عليه و سلم كما قد تتغلظ ردة بعض الناس بأن ينضم