وإذا غضضنا الطرف عن سند الحديث وما فيه من كلام، ونظرنا في متنه ومضمونه، وجدناه منكرًا، لا يتفق مع ما قرره القرآن بخصوص ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم.
فالقرآن لم يقرر في آية واحدة من آياته أن محمدًا رسول الله بعثه الله بالسيف، بل قرر في آيات شتى أن الله بعثه بالهدى ودين الحق والرحمة والشفاء والموعظة للناس.
ثانيًا: حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا"لا إله إلا الله"
اتخذ دعاة الحرب على العالم من هذا الحديث: سندا لتأييد دعوتهم، والحديث صحيح لا شك فيه، متفق عليه. ولكن ما معناه؟
من المعلوم أن كلمة"الناس"في هذا الحديث عام يراد بها خاص، فالمراد منهم مشركو العرب الذين عادوا الدعوة منذ فجرها، وعذبوا المسلمين في مكة ثلاثة عشر عاما، وحاربوا الرسول تسعة أعوام في المدينة، وغزوه في عقر داره مرتين، يريدون استئصاله وأصحابه، والقضاء على دعوته، وهؤلاء القوم -كما وصفتهم سورة التوبة:"لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة""نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول، وهم بدءوكم أول مرة"فقد نفض الرسول يده منهم، ولم يعد هناك أمل في صلاحهم، كما بينا قبل ذلك في الكلام عن (آية السيف) .
فهؤلاء لهم موقف لا ينطبق على غيرهم، خاصة أن الإسلام يريد أن يجعل من الحجاز حرما للإسلام، ومعقلا له، لا ينازعه فيه دين آخر.
يقول العقاد:"وكان النبي -صلوات الله عليه- يعاقب في حروبه بمثل ما عوقب به، ولا يجاوزه إلى اللدد في الخصومة، فإذا انتهت الحرب على عهد من العهود وفّى به، وأخذ على أتباعه أن يوفوا به في غير إغلال ولا إسلال، أي في غير خيانة ولا مراوغة. وثابر على الوفاء في جميع عهوده، وثابر أهل الجزيرة من المشركين واليهود على الغدر بكل عهد من تلك العهود، وعقدوا النية سرا وجهرا على إعنات المسلمين وإخراجهم من ديارهم، لا يحرمون حراما في مهادنتهم ولا في مسالمتهم، ولا يزالون يؤلبون عليهم الأعداء داخل الجزيرة وخارجها. وأصروا على ذلك مرة بعد مرة حتى أصبحت معاهدتهم عبثا لا يفيد، ولا يغني عن القتال فترة إلا ردهم إليه بعد قليل، ووضح من لدد القوم وإصرارهم عليه أنهم لا يهادنون إلا ليتوفروا على جمع العدة، وتأليب العدو من الخصوم والأحلاف، فبطلت حكمة الدعوة إلى العهد، ولم يبق للمسلمين من سبيل إلى الأمان معهم إلا أن يخرجوهم من حيث أرادوا أن يخرجوا المسلمين، ولا يبقوا أحدا غير مسلم في تلك الجزيرة التي أبت أن تكون وطنا للمشركين وأحلافهم. فانتهت حكمة التخيير بين المعاهدة والقتال، ووجب الخيار بين أمرين لا ثالث لهما، وهما: الجوار على الإسلام أو على الخضوع لحكمه، فلا جوار في الجزيرة لأحد من المشركين وأحلافهم اليهود إلا أن يدين بالإسلام أو بالطاعة."
"وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل" (البقرة: 191) .