فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 592

وقال النبي -عليه الصلاة والسلام- يومئذ:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها، وحسابهم على الله".

وفي هذا المعنى ينص القرآن الكريم على محاربة أهل الكتاب الذين تحالفوا مع المشركين، ونقضوا العهود المتوالية بينهم وبين النبي، كما تقدم في ذكر الغزوات والسرايا:

"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة:) .

والوجه الوحيد الذي ينصرف إليه هذا الحكم هو أنه حيطة لا محيد عنها لضمان أمن المسلمين مع من يجاورونهم في ديارهم، ويتآمرون على حربهم، فلا يحل للمسئول عن المسلمين أن يكل أمانهم إلى عهد ينقض في كل مرة، ولكنه يأمن عليهم في جوار قوم مسلمين، أو قوم مطيعين للدولة، يؤدون لها حقها، فهم إذن لا يملكون من الاستقلال بالعمل في طاعة تلك الدولة ما يملكه المعاهد المؤمَّن على عهوده.

وعلى الجملة شرع الإسلام حكما لكل حالة يمكن أن توجد بينه وبين جيرانه على الحذر أو على الأمان، فنص على حالة الدفاع والعدوان، ونص على الدفاع الواجب في حدوده على حسب العدوان، ونص على التعاهد والمسالمة على مدة أو إلى غير مدة، ولما بطلت جدوى المعاهدة لم تبق له خطة يأخذ بها أعداءه غير واحدة من اثنتين: الحرب أو الخضوع للإسلام إيمانا به أو طاعة لدولته، ولم يجعل الإيمان بالإسلام حتما على أعدائه المصرين على العداء، بل جعله خيارا بين أمرين، ومن سامه الإسلام غير هذين الأمرين، فقد سامه أن يرضى بحالة ثالثة لا يرضاها أحد، وهي حالة الخوف الدائم من عدو متربص به، لا تجدي معه المهادنة، ولا يؤمن على عهد من العهود.

وانقضى عهد النبي -صلوات الله عليه- والمسلمون يعلمون حدودهم في كل علاقة تعرض لهم بين أنفسهم، وبينهم وبين جيرانهم .. علاقة المودة والوئام، وعلاقة الشغب والفتنة، وعلاقة الحرب أو علاقة التعاهد أو علاقة الموادعة والمهادنة أو علاقة الأمان والاستئمان. وهذه العناية بإقامة الحدود وبيان واجباتها هي وحدها حجة قائمة للإسلام على خصومه الذين يتهمونه بأنه دين الإكراه الذي لا يعرف غير شريعة القوة أو شريعة السيف. فمن كان لا يعرف غير شريعة السيف، فما حاجته إلى بيان لكل حالة من حالات السلم والحرب بأحكامها وواجباتها وحدودها وتبعاتها؟ لا حاجة به إلى حد من هذه الحدود ما دام أعزل مغلوبا على كل حال. فإنما يبحث عن تلك الحدود من يضع السيف في موضعه، ويأبى أن يضعه في موضع المسالمة والإقناع، وكذلك كانت شريعة الإسلام منذ وجب فيه القتال، ولم يوجبه إلا البغي عليه والقسر والعنت من أعدائه والإخراج من الديار [5] .

نضج القانون الدولي في الإسلام وطفولته عند الرومان والأوروبين:

وقد لا حظ الباحثون ما جاء به الإسلام من أحكام مفصلة، وقواعد وضوابط، وتوجيهات حاكمة في كل شئون الحرب، وفي علاقة المسلمين بغيرهم -قبل الحرب- من مسالمين ومحاربين، وموادعين ومهادنين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت