أي نكير حتى غدا لسان حال أكثر المسلمين وأحيانًا لسان مقالهم أن الدين مكانه المسجد وتنظيم العلاقة الخاصة بين العبد وربه أما الحياة بكافة أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية فلا علاقة للدين بها.
فما هو موقف أكثر الجماعات الإسلامية من كل ماتقدم؟.
يأسف المسلم أسفًا شديدًا حين يرى غالبها يغض الطرف عن كل ما تقدم ولا يعيره الاهتمام الذي يستحق وبعض هذه الجماعات يرى أن المخرج الوحيد من كل ما أصاب المسلمين من انحرافات عقدية وسلوكية هو في الخروج في سبيل الله وبذل الجهد وإحياء عمل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والمحصور لديهم في القيام بجولات عمومية وجولات خصوصية من أجل تذكير الناس بدينهم وليس لدى هذه الجماعة أي برنامج لبناء المسلمين على العقيدة الصحيحة وتحذير الناس من مظاهر الشرك المنتشرة وإقامة شرع الله في الأرض.
بينما جعلت جماعة أخرى من المسلمين مطلب إعادة الخلافة عقيدة لها الأولوية على جميع ما عداها من أحكام الدين وكأن الله تعالى قال: وما خلقت الجن والإنس إلا لإقامة الخلافة، وكأنه قال أيضًا: إن الله لا يغفر أن لا تكون خلاقة ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وفاتهم أن منهج النبوة مخالف لذلك، وأن أول أولويات هذا المنهج إنقاذ ما أمكن من الناس من النار عن طريق انتشالهم من الشرك وإقامة الحجة عليهم سواءٌ قامت الخلافة أم لم تقم.
فكم من الأنبياء لم يمكن له وصبر على الدعوة وتبليغ الرسالة حتى مات، وهناك أنبياء يأتون يوم القيامة ولم يتبعهم أحد ولا يضرهم ذلك لأنهم بلغوا دين الله وأبرؤوا ذممهم.
ورغم أن منهج هذه الجماعة يعتمد اعتمادًا كليًا على نشر الفكر الإسلامي ومحاربة الفكر الغربي ويهتم اهتمامًا شديداُ بتثقيف المسلمين والدفاع عن ثوابت الإسلام إلا أنه يغفل الحديث عن مظاهر الشرك الذي تمارسه العديد من الفرق المنتسبة للإسلام كالشيعة والصوفية بل يجعل من مطلب إعادة الخلافة قاسمًا مشتركًا يجمعه حتى مع الثورة الخمينية ويبرر له إطراءها والثناء عليه.
وفي موازاة هاتين الجماعتين نرى جماعة جعلت همها الأكبر ومقصدها الأسمى وأولويتها الأولى الوصول إلى الحكم ودعت إلى تجميع المسلمين بصرف النظر عن عقائدهم ومذاهبهم وأجلت من أجل ذلك ما تعده معارك جانبية مع مظاهر الشرك المتنوعة وجماعاته المتعددة، بل جاملت فرق الانحراف والزيغ وكالت المدائح لرموز الضلال حتى وصف بعض دعاتها الكبار الخميني بأنه مجدد القرن العشرين، وليت خطأ هذه الجماعة وقف عند هذا الحد إذن لهانت المصيبة بل دفعها هدف الوصول إلى الحكم والذي استبطأت تحقيقه بفعل الضربات القاسية التي وجهتها إليها الحكومات المجرمة دفعها إلى استرضاء الغرب واستعطافهم
لبلوغ مرادها وذلك عن طريق إعلانها القبول بالديمقراطية والتعددية الحزبية والوحدة الوطنية ونبذ التطرف والإرهاب وأنها ألين من الحمل الوديع وأكثر ديمقراطية من الحكومات الموالية للغرب.
واستتبع ذلك بروز منظومة من الفتاوى الملائمة للحالة المزرية التي آلت إليها الأمة الإسلامية وصار الإسلام بفضل تلك الفتاوى دينًا يقبل الآخر ويعترف به ويتيح له أن يمارس حريته الفكرية كيفما شاء، ويبقى في كل الأحوال أخًا لنا ولو كان علمانيًا أو شيوعيًا وله ما لنا وعليه ما علينا كما صار الإسلام دينًا مسالمًا لا يجيز لأتباعه استخدام القوة إلا في حالة الدفاع عن النفس فقط ورد العدوان وتحرير الأرض وليس في الإسلام قتال من أجل نشر العقيدة والدين. وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله.
وهكذا وبعد أن كانت المشكلة عند هذه الجماعة أن الغاية -وهي إقامة الحكم الإسلامي - تبرر الوسيلة إذا بها تتنازل عن الغاية وتتنكر للثوابت والمسلمات.
ومع ذلك كله لم يرض عنها الغرب ولا الحكومات المنصبة من قبله وصدق الله إذ يقول: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) .
والخلاصة أن أعظم مصلحة في الوجود تحقيق توحيد الله في الأرض وجهاد الشرك والمشركين فيجب أن تكون له الأولوية على كل ما عداه وعندها نكون قد نصرنا الله حقًا فينصرنا الله.