عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر
فقلت لهم: هؤلاء الذي تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم المسلمين يوم أحد، فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك ولحكمة كانت لله عز وجل في ذلك، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولما يحصل في ذلك من الشر والفساد، وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا، وإن كان كثير من القائلين الذين اعتقدوا هذا قتالًا شرعيًا أجروا على نياتهم.
فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله عز وجل والاستعانة به وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلًا لما صح من تحقق توحيد الله تعالى وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله تعالى ينصر رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) [58] . اهـ
فتأمل رحمك الله قوله:"ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله".
ثم تأمل رحمك الله قوله بعد ذلك:"فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلًا لما صح من تحقيق توحيد الله وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك؟".
وهنا تنبيه هام وهو أن هذه الحادثة كانت من آحاد الناس وعوامهم، ولم تكن من الأجناد والأمراء فضلًا عن أهل الحل والعقد، ودليل ذلك ما ذكره ابن تيمية نفسه في وصف القوم الذين كان يقاتل ويحرض على القتال معهم.
قال رحمه الله: (أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم