فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 592

أن ابن تيمية رحمه الله جعل إخلاص العبادة لله وصدق الاستعانة به أقوى معين على الجهاد في سبيله، فقال: (قال تعالى {واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} فأمره باتباع ما أوحي إليه من الكتاب والحكمة التي هي سنته وبأن يتوكل على الله فبالأولى يحقق قوله إياك نعبد وبالثانية يحقق قوله وإياك نستعين، ومثل ذلك قوله {فاعبده وتوكل عليه} وقوله {عليه توكلت وإليه أنيب} ، وهذا وإن كان مأمورًا به في جميع الدين فإن ذلك في الجهاد أوكد لأنه يحتاج إلى أن يجاهد الكفار والمنافقين، وذلك لا يتم إلا بتأييد قوي من الله، ولهذا كان الجهاد سنام العمل، وانتظم سنام الأحوال الشريفة، ففيه سنام المحبة كما في قوله {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} ، وفيه سنام التوكل وسنام الصبر، فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل، ولهذا قال تعالى {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} ، وفي الجهاد أيضًا حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا، وفيه أيضًا حقيقة الإخلاص، فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل الرياسة ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا) [57] .

فهذا هو جهاد ابن تيمية الذي دعا إليه وحرض عليه.

سادسًا:

أن شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر لنا واقعة حدثت أيام قتال التتار عظيمة الدلالة في تقرير ما نحن فيه من كون الجهاد لم يشرع إلا لتحقيق العبودية لله رب العالمين، كما أنها تبين حقيقة مراد شيخ الإسلام ابن تيمية من قوله"إقامة أكثر شرائع الإسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها"، قال رحمه الله: (إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء:

يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر

أو قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت