هذا عن"المجتمعات"و"الدول والحكومات".. أما بخصوص الأفراد، فإن المودودي يتحرج تحرجا شديدا، ويدعو إلى التحرج في الحكم عليهم بالكفر، حتى لو خرجوا عن إطار الشريعة في ممارساتهم الحياتية .. فيقول: .."أما أن يأتي فرد من المسلمين بعمل خلاف الشريعة في شأن من شئون حياته، فهو أمر غير خطير لا ينقض به الميثاق، وإنما يرتكب به جريمة من الجرائم ..".
ومن هذه التفرقة- التي قد لا يستسيغها البعض- بين"الفرد"وبين"المجتمع"نلمح الوزن الذي يعطيه المودودي- بحق- للفروض الاجتماعية الإسلامية. فمثل هذه الفروض- كالجهاد. واقامة الدولة .. والعدل الاجتماعي .. إلخ ..
-هي مما لا يستطيع الفرد وحده إقامته، ومن ثم فإن"المعصية الفردية"في الفروض الاجتماعية يلتمس فيها من الأعذار للأفراد ما لا يلتمس للأمم والمجتمعات! ويمضي المودودي، في نصوص عديدة- من المفيد إيراد بعضها- داعيا إلى التحرج في قضية"تكفير المسلم"فيقول:"يجب ملاحظة قضية تكفير المسلم والاحتياط في هذه المسألة احتياطا كاملا، احتياطا يتساوى مع الاحتياط في إصدار فتوى بقتل شخص ما، وعلينا أن نلاحظ أن في قلب كل مسلم يؤمن بالتوحيد وأن"لا إله إلا الله"إيمانا، فإذا صدرت عنه شائبة من شوائب الكفر، فيجب أن نحسن الظن ونعتبر هذا مجرد جهل منه وعدم فهم، وأنه لا يقصد بهذا التحول عن الإيمان إلى الكفر، لأنه يجب ألا تصدر ضده فتوى بالكفر بمجرد أن نستمع قوله، بل يجب علينا أن نفهمه بطريقة طيبة، ونشرح له ما أشكل عليه، ونبين له الصواب من الخطأ، هاذا أصر على ما هو عليه ولم يتقبل ما عرض عليه، بعد أن نلجأ لكتاب الله، فنوضح له خطأ ما أصر عليه في ضوء كتاب الله، ونبين له النصوص الصريحة التي تفرق بين الكفر والإيمان .. وهل هناك مجال لتأويل ما يصر عليه، أم لا؟ فإذا لم يكن هذا يخالف مخالفة صريحة النصوص الواضحة فيجب ألا نتهمه بالكفر، ويمكن أن نعتبر هذا الشخص من الضالين .. ولكن إذا كان ما يصر عليه يخالف النص صراحة، ويخالف تعاليم كتاب الله، وأنه لا يزال رغم هذا يصر على قوله أو فعله، حينئذ يمكن إصدار الحكم بالفسق أو الكفر، وذلك لأن القضية هنا أصبحت واضحة، ولها نوعية خاصة تستلزم إصدار هذا الحكم، ولكن، رغم هذا كله، يجب ملاحظة درجات ومراتب مثل هذه القضايا، اذ لا يستوي الجرم في جميع الحالات، فيوجد بينها فرق في الدرجات والمراتب، ويستلزم العدل أن نلاحظ هذه الفروق حين نصدر حكمنا ..".
الأصول والفروع
وفي نص آخر يدعو المودودي علماء الإسلام للتمييز بين"النص"و"التأويل"ومراعاة الفروق بين"الأصول"و"الفروع"وهم يحكمون على أفعال الناس .. كما ينتقد تسرعهم وعدم تثبتهم في إصدار أحكام الكفر، التي هي أشد وأخطر من القتل المادي وإزهاق الأرواح .. ذلك:"أن من يلعن مؤمنا كان وكأنه قتله، وأن من يكفر مؤمنا كان وكأنه قتله. إن التكفير ليس حقا لكل فرد، والتكفير جرم اجتماعي أيضا، إنه ضد المجتمع الإسلامي كله، ويضر كثيرا بالمسلمين ككل .. ومع الأسف فإن علماءنا الكرام"