فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 592

أخرى غير خطة الإسلام المحكمة، فإن صنيعك هذا يعتبر ارتدادا جزئيا يفضي بك إلى ارتداد كلي نهائي .. !.

فهو هنا: قد أدخل الخروج عن"الفروع الدنيوية"في"الردة الجزئية"المفضية إلى"الردة الكلية والنهائية"عن الإسلام .. وهو قد عنى"الفرد"بهذا الحديث، وليس فقط المجتمع والدولة .. بل إنه ليذهب على"درب الصياغات الاثارية والقلقة"إلى نفي الإسلام عن الذين يطلبون الأدلة العقلية، حتى تطمئن نفوسهم للطاعة والتنفيذ، فيقف موقف"السلفية النصوصية"التي ترى الانسان كائنا مطيعا، حتى لو لم يعقل ما يأمره به الدين!. فيقول المودودي:"إن من يطلب الدليل العقلي، ويأبى أن يمتثل أمرا من أوامر الله إلا به، فلا شك أن مقامه الصحيح خارج حدود الإسلام لا داخله .."!.

حقيقتان حول المودودي

وهذا الموقف غريب عن النهج العقلاني للإسلام .. فكون"العقل"- في الإسلام- هو مناط التكليف، يتجاوز المعنى الشائع الذي يسقط التكاليف عن المجنون، إلى حيث يطلب من المسلم"عقل"و"تعقل"التكاليف .. وكما يقول الإمام محمد عبده:"فإن أول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، فهو وسيلة الإيمان الصحيح .. والإسلام لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي، والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري .. والمرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، فمن ربي على التسليم بغير عقل، والعمل- ولو صالحا- بغير فقه، فهو غير مؤمن، لأنه ليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير، كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله وتتزكى نفسه بالعلم بالله والعرفان في دينه، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النافع المرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته في دينه ودنياه، ويكون فوق هذا، على بصيرة وعقل في اعتقاده ..".

وإذا كانت صياغات الأستاذ المودودي قد حوت- في هذه القضية- قضية"التكفير"- هذا التفاوت- بل التناقض- الذي عرضنا له .. هاذا كان البعض يجتزئ نصوصه التي تحكم بالكفر على المسلم إن هو لم يلتزم بـ"الفروع الدنيوية"، ويبرزها ويقف عندها ويكتفي بها .. فإننا نود أن ننبه إلى حقيقتين نختم بهما هذه الفقرة من هذا الحديث:

الأولى: أن النصوص التي كتبها المودودي يجب تفسيرها بالمنهج الذي أوصى به هو ذاته .. تعرض على بعضها، وتقارن، ثم تعرض على الأدلة الشرعية التي دعمها هو بها .. ولقد أفاض الرجل في الدعوة إلى التحرج من تكفير المسلم، ودعا إلى التمييز بين الفروع والأصول والنصوص والتأويل .. ودعم حديثه هذا بالأدلة الشرعية التي استقاها من السنة النبوية، على وجه الخصوص .. وهذا الموقف هو المتسق مع إجماع تيارات الفكر السني ومذاهبه، التي قطعت بأن الدولة والسياسة وتنظيم المجتمع هي من العقائد والأركان والأصول .. ومن ثم فإن معايير الخلاف فيها هي"الضرر"و"المصلحة"و"الخطأ"و"الصواب"وليست"الإيمان"و"الكفر".

والثانية: إننا نجد تناقضا- لابد من التنبيه عليه- في كلام الأستاذ المودودي- بين رفضه تكفير"الفرد"بمعصيته في"الفروع"وبين تكفيره"المجتمع"بعصيانه في ذات الفروع .. فالمجتمع هو مجموع الأفراد، في طور"كيفي"أرقى وأكثر جدة .. ومن ثم فإن معايير"الكفر"و"الإيمان"يجب أن تظل مقصورة على تقييم الالتزام، أو الخروج عن"العقائد والأصول والأركان"الإسلامية، دون اقحامها في ميدان"الدولة"و"الخلافة والإمامة"طالما كان الاجماع السني على أنها من الفروع وليست من أصول الدين .. وليس في هذا تقليل من شأن هذا الميدان، ولا تهوين من عظم المهام النضالية التي على المسلمين أن يخوضوها لأسلمة دولهم ومجتمعاتهم والواقع الذي يعيشون فيه، وإنما هو الحرص على عدم"خلط الأوراق"، وحتى لا تنفتح في الفكر الإسلامي ثغرة لى"الكهانة"، يميز الإسلام بالبراءة منها، ومناصبتها شديد العداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت