الْخِنْزِيرِ، وَالدَّمِ، وَالْمَيْتَةِ، عَلَى الْخَمْرِ أَصَحُّ مِنْ كُلِّ قِيَاسٍ لَهُمْ، وَلَوْ صَحَّ يَوْمًا مَا. وَأَمَّا الْقَطَاةُ فَلَيْسَتْ كَالْفَارَةِ ; لِأَنَّ الْقَطَاةَ تُؤْكَلُ، وَالْفَارَةُ لَا تُؤْكَلُ، وَالْقَطَاةُ تُجْزِي فِي الْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهَا هُنَالِكَ - وَالْفَارَةُ لَا تُجْزِي، وَيَحِلُّ قَتْلُهَا هُنَالِكَ. وَكَذَلِكَ مَاءُ الْوَرْدِ وَالْعَسَلِ، لَيْسَ كَالسَّمْنِ ; لِأَنَّ الْعَسَلَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَالسَّمْنُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَمَاءُ الْوَرْدِ لَا رِبَا فِيهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَالسَّمْنُ فِيهِ الرِّبَا عِنْدَ جَمِيعِهِمْ - فَظَهَرَ تَرْكُهُمْ الْقِيَاسَ الَّذِي بِهِ يَحْتَجُّونَ، وَأَنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَهُ، وَلَا يَطْرُدُونَهُ. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الَّتِي تَقُولُ: إنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم فَرَضُوا حَدَّ الْخَمْرِ، وَالْقِيَاسُ أَيْضًا لَازِمٌ لَهُمْ، كَمَا لَزِمَ الطَّائِفَةَ الْمَذْكُورَةَ. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الَّتِي قَالَتْ: إنَّ حَدَّ الْخَمْرِ إنَّمَا فُرِضَ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَالْقِيَاسُ لِهَؤُلَاءِ أَلْزَمُ ; لِأَنَّهُ كَمَا جَازَ أَنْ يُفْرَضَ حَدُّ الْخَمْرِ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، فَكَذَلِكَ يُفْرَضُ حَدُّ أَكْلِ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَشُرْبِ الدَّمِ، قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْخَمْرِ - وَجُمْهُورُهُمْ يُجِيزُونَ الْقِيَاسَ عَلَى الْمَقِيسِ. فَوَضَحَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ فَسَادِ أَقْوَالِهِمْ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، فَوَجَدْنَاهُ قَدْ حَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الرِّدَّةِ عِنْدَهُ - وَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى مُسْلِمٍ بِالْكُفْرِ مِنْ أَجْلِ مَعْصِيَةٍ أَتَى بِهَا إلَّا أَنْ يَاتِيَ نَصٌّ صَحِيحٌ، أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا، وَأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ كُفْرٌ، وَلَيْسَ مَعَنَا نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، عَلَى أَنَّ آكِلَ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لِذَلِكَ: كَافِرٌ، وَلَكِنَّهُ عَاصٍ، مُذْنِبٌ، فَاسِقٌ، إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لَهُ، فَيَكُونُ كَافِرًا حِينَئِذٍ ; لِأَنَّ مُعَانَدَةَ مَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ، وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُفْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ} .
2302 - مَسْأَلَةٌ: تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: الصَّلَاةُ حَقٌّ فَرْضٌ إلَّا أَنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ - فَإِنَّهُ يُتَأَنَّى بِهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُقْتَلْ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمَا: لَا قَتَلَ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُعَزَّرُ حَتَّى يُصَلِّيَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: أَمَّا مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُمَا يَرَيَانِ تَارِكَ الصَّلَاةِ الَّذِي ذَكَرْنَا مُسْلِمًا ; لِأَنَّهُمَا يُوَرِّثَانِ مَالَهُ وَلَدَهُ، وَيُصَلِّيَانِ عَلَيْهِ، وَيَدْفِنَانِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُفَرِّقَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَيُنْفِذَانِ وَصِيَّتَهُ، وَيُوَرِّثَانِهِ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ قَوْلُهُمَا فِي قَتْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ نَفْسٌ بِنَفْسٍ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا - كَمَا ذَكَرْنَا - لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ كَافِرًا، أَوْ يَكُونَ غَيْرَ كَافِرٍ - فَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوهُ لَلَزِمَهُمْ أَنْ يُلْزِمُوهُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَفِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ - فَإِذْ لَيْسَ كَافِرًا، وَلَا قَاتِلًا، وَلَا زَانِيًا مُحْصَنًا، وَلَا مُحَارِبًا، وَلَا مَحْدُودًا فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَدَمُهُ حَرَامٌ بِالنَّصِّ، فَسَقَطَ قَوْلُهُمْ بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَإِنْ احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ