وَلِي الخلافة بعد أبي بكر الصديق، واستمرت خلافته عشر سنين وستة أشهر، قتل لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة، ودفن إلى جوار أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.
شرح الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تطروني":قال في النهاية الإطراء مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، جاء في لسان العرب: أطرى الرجل: أحسن الثناء عليه، وأطرى فلانٌ فلانا إذا مدحه بما ليس فيه.
والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم نهى أمته عن الكذب في مدحه برفعه فوق منزلته، كما فعلت النصارى بعيسى ابن مريم عليه السلام.
وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد بين الله عز وجل أنه بشر، وأنه رسول مثل الرسل قبله؛ فقال تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد {الكهف:110} ، وقال سبحانه: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل {آل عمران:144} .
ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وتابعوهم بإحسان يعظمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوقرونه ويعزرونه كما أمرهم الله عز وجل في كتابه وكما بين لهم رسولهم صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يأتون من ذلك كله الحق لا يجاوزونه؛ فلا يرفعونه فوق منزلته التي أنزله الله إياها ولم يجعلوه شريكا لله يتصرف في ملك الله، ولا نسبوا إليه ما ليس بصحيح من أمور اعتقادية كأن يكون خلق من نور، أو أن الله خلق الخلق من أجله، أو ما شابه ذلك من الكذب والباطل الذي درج عليه المبتدعة وأهل الأهواء قديما وتابعهم عليه مبتدعة زماننا حديثا.
وانظر رحمني الله وإياك إلى ما رواه الترمذي في الشمائل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو من أقرب الناس إليه يصفه بالأوصاف البشرية التي تفوق كل البشر، ومع ذلك لا تخرجه عن كونه بشرًا صلوات ربي وسلامه عليه يقول:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس صدرًا وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعتُهُ: لم أر قبله ولا بعده مثله".
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"فإنما أنا عبدُهُ"وفي رواية:"عبدٌ"أي عبد الله، فهو صلى الله عليه وسلم يبين لنا أنه عبد لله مخلوق لله لا يرتفع عن منزلته التي أنزله الله تبارك وتعالى، والله عز وجل وصفه بوصف العبودية في أشرف الأحوال، فقال: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا {الكهف:1} ، وقال سبحانه: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى {الإسراء:1} ، وقوله: فقولوا عبد الله ورسوله، أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نصفه بهذين الوصفين وصف العبودية لله، ووصف الرسالة، فهما أعظم وصف يوصف به المخلوق أن يكون عبدًا لله تعالى وهذا أشرف مقام للمخلوق مع خالقه، ثم وصف الرسالة الذي يتميز به عن عامة البشر، فإنه يعني أنه يوحى إليه من ربه فلذلك أمره ربه سبحانه أن يقول