فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 592

قلنا: هذا الاحتمال والتنظير له لا يصح لوجوه:

الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصلاة حدًا فاصلًا بين الكفر والإيمان، وبين المؤمنين والكفار. والحد يميز المحدود ويخرجه عن غيره، فالمحدودان متغايران لا يدخل أحدهما في الآخر.

الثانى: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، فوصف تاركها بالكفر يقتضي أنه الكفر المخرج من الإسلام؛ لأنه هدم ركنًا من أركان الإسلام، بخلاف إطلاق الكفر على من فعل فعلًا من أفعال الكفر.

الثالث: أن هناك نصوصًا أخرى دلت على كفر تارك الصلاة كفرًا مخرجًا من الملة؛ فيجب حمل الكفر على ما دلت عليه لتتلاءم النصوص وتتفق.

الرابع: أن التعبير بالكفر مختلف.

ففي ترك الصلاة قال:"بين الرجل وبين الشرك والكفر (10) "فعبر بـ"أل"الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر بخلاف كلمة"كفر"منكرًا أو كلمة"كفر"بلفظ الفعل، فإنه دال على أن هذا من الكفر، أو أنه كفر في هذه الفعلة وليس هو الكفر المطلق المخرج عن الإسلام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب"اقتضاء الصراط المستقيم" (ص70 طبعة السنة المحمدية) على قوله صلى الله عليه وسلم:"اثنتان في الناس هما بهم كفر" (11) .

قال:"فقوله:"هما بهم كفر"أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس، فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرًا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر. كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنًا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته. وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة (12) "وبين كفر منكر في الإثبات انتهى كلامه."

فإذا تبين أن تارك الصلاة بلا عذر كافر كفرًا مخرجًا من الملة بمقتضى هذه الأدلة، كان الصواب فيما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل وهو أحد قولي الشافعي كما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت