فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 592

التَّوْحِيدِ. وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ لِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: {خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ} حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْعَامَّةِ كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَشْبَاهُهُ كَثِيرَةٌ، وَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ يُوَرِّثُونَ تَارِكَ الصَّلَاةِ وَيُوَرَّثُونَ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ وَلَمْ يَرِثْ وَلَمْ يُورَثْ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ كَفَّرَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَبُرَيْدَةَ وَرِوَايَةِ شَقِيقٍ فَهُوَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شَارَكَ الْكَافِرَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقَتْلِ. وَهَذَا التَّاوِيلُ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ فَمَتْرُوكٌ بِالنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقِيَاسُهُمْ لَا يُقْبَلُ مَعَ النُّصُوصِ، فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ - رحمه الله تعالى: (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْكَافِرِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ [فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّقَ صَلَاتَهُ عَلَى صَلَاتِهِ]

فَإِنْ تَقَدَّمَ وَصَلَّى بِقَوْمٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إسْلَامًا مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوعِ الْإِيمَانِ فَلَا يَصِيرُ بِفِعْلِهِ مُسْلِمًا، كَمَا لَوْ صَامَ رَمَضَانَ أَوْ زَكَّى الْمَالَ، وَأَمَّا مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَإِنْ عَلِمَ بِحَالِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ صَلَاتَهُ بِصَلَاةٍ بَاطِلَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ عَلِمَ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ كَافِرًا مُتَظَاهِرًا بِكُفْرِهِ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ ; لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَهُ ; لِأَنَّ عَلَى كُفْرِهِ أَمَارَةً مِنْ الْغِيَارِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِكُفْرِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) : لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فَلَا تَصِحُّ خَلْفَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مُتَظَاهِرًا بِكُفْرِهِ (وَالثَّانِي) : تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ فِي الِائْتِمَامِ بِهِ).

(الشَّرْحُ) الْأَمَارَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُقَالُ الْأَمَارَ بِلَا هَاءٍ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْغِيَارُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ الْكُفَّارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ، وَكَذَا الْمُبْتَدِعُ الَّذِي يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ جَاهِلًا بِكُفْرِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَظَاهِرًا بِكُفْرِهِ كَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ وَغَيْرِهِمْ لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا. وَقَالَ الْمُزَنِيّ: لَا يَلْزَمُهُ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِهِ كَمُرْتَدٍّ وَدَهْرِيٍّ وَزِنْدِيقٍ وَمُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ يُخْفِيهَا وَغَيْرِهِمْ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (الصَّحِيحُ) مِنْهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَوْلِ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ: وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ قَلِيلُونَ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ، وَالْمَذْهَبُ الْوُجُوبُ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَخَلَائِقُ قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْمَنْصُوصُ لُزُومُ الْإِعَادَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ قَالَ: وَغَلِطَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْإِعَادَةَ، وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ إمَامًا أَوْ مَامُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت