مطالبون بإقامة دينهم في خاصتهم، ولذلك بقِيَ بنو إسرائيل من بعد موسى ويُوشَع صلوات الله عليهما نحوَ أربعِمائة سنة لا يَعتنون بشيء من أمر المُلك إنما همُّهم إقامةُ دينهم فقط).
وقال ابن النحاس رحمه الله: (اعلم أن جهاد الكفار في بلادهم فرض كفاية باتفاق العلماء ... وأقل الجهاد في كل سنة مرة، والزيادة أًفضل بلا خلاف، ولا يجوز إخلاء سنة من غزو، إلا لضرورة كضعف المسلمين، وكثرة العدو وخوف الاستئصال لو ابتدءوهم، أو لعذر كعزة الزاد، وقلة علف الدواب، ونحو ذلك، فإن لم تكن ضرورة ولا عذر لم يجز تأخير الغزو سنة، نص عليه الشافعي رحمه اللّه وأصحابه، وقال إمام الحرمين الجويني: المختار عندي مسلك الأصوليين، قالوا: الجهاد دعوة قهرية، ولذلك تجب إقامته حسب الإمكان، حتى لا يبقى في الأرض إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص الجهاد بمرة في السنة، ولا يُعَطّل إذا أمْكَنَتْ الزيادة) .
وقال ابن حجر رحمه الله شارحًا لحديث الصحيحين عن المقداد بن عمرو الكندي أنه قال لرسول الله *;: أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقتله"فقال: يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال": (قوله:"وأنت بمنزلته قبل أن يقول"قال الخطابي: معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم، فإذا أسلم صار مصان الدم كالمسلم، فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحًا بحق القصاص كالكافر بحق الدين وليس المراد إلحاقه في الكفر كما تقول الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ فالأول أنه مثلك في صون الدم والثاني أنك مثله في الهدر) .
وقال الشوكاني رحمه الله: (غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل معلوم من الضرورة الدينية، ولأجله بعث الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثه الله إلى أن قبضه إليه جاعلًا لهذا الأمر من أعظم مقاصده، ومن أهم شؤونه، وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام ولا لبعضها، وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم، والتمكن من حربهم، وقصدهم إلى ديارهم) .
ختامًا
ليعذرني القارئ على الإطالة والتوسع، وليعلم أن أبواب الجهاد مرَّت بحملة شرسة تستدعي منَّا الإطالة أحيانًا لإعادة الجيل المسلم إلى ما كان عليه أسلافهم، عسى الله أن يرزقنا الثبات حتى الممات، وأن يغَّير حال أمتنا بالضعف قوة، وبالذلِّ عزة، وبالتفرق وحدة، اللهم آمين.