قَوْمٍ فِي دِيَارِهِمْ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ مَالِكٌ: نَاشِدُوهُمْ بِاَللَّهِ فَإِنْ أَبَوْا وَإِلَّا فَالسَّيْفُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَا بَاسَ بِابْتِغَاءِ عَوْرَةِ الْعَدُوِّ لَيْلًا وَنَهَارًا ; لِأَنَّ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إلَى خَيْبَرَ فَقَتَلُوا أَمِيرَهُمْ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ غِيلَةً، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِقَوْمٍ إنْ جَلَسْت بِأَرْضِك أَتَوْك، وَإِنْ سِرْت إلَيْهِمْ قَاتَلُوك. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ عَدُوٌّ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَا أَمْرُ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ وَيُعْرَضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ، وَتَسِيرُ إلَيْهِمْ الْأَمْثَالُ، وَتُضْرَبُ لَهُمْ الْعِبَرُ، وَيُتْلَى عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ، حَتَّى إذَا بَلَغَ الْعُذْرُ فِي دُعَائِهِمْ وَأَبَوْا طُلِبَتْ عَوْرَتُهُمْ، وَالْتُمِسَتْ غَفْلَتُهُمْ، وَكَانَ الدُّعَاءُ فِيمَنْ أُعْذِرَ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْإِعْذَارِ تَحْذِيرًا لَهُمْ، وَفِي هَذَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: إنَّ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ قَبْلَ انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ انْتَشَرَتْ الدَّعْوَةُ، فَاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عَنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُحَارِبَ، حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلَا الْإِسْلَامُ، وَلَا أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى، قَدْ بَلَغَتْ الدَّعْوَةُ كُلَّ أَحَدٍ، فَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. وَلَكِنْ إذَا دُعِيَ مَنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ فَلَا بَاسَ. وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الْإِنْذَارِ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ: اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ} ، إلَّا إذَا تَضَمَّنَتْ دَعْوَتُهُمْ ضَرَرًا وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَأَنْ يَسْتَعِدُّوا أَوْ يَتَحَصَّنُوا فَلَا يَفْعَلُ. وَلَكِنْ دَعْوَتُهُمْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً ; لِأَنَّهُ صَحَّ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ} ، وَالْغَارَةُ لَا تَكُونُ بِدَعْوَةٍ. وَقَيَّدَ ابْنُ الْقَيِّمِ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَاسْتِحْبَابُهَا لِمَنْ بَلَغَتْهُ بِمَا إذَا قَصَدَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، أَمَّا إذَا كَانَ الْكُفَّارُ قَاصِدِينَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ فَلِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ دَفْعًا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ.
تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ: 38 - مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ وَتَوْبَتُهُ قَالَ الْأَحْنَافُ وَالشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ} . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ لَا تُقْبَلُ. وَحُجَّتُهُمْ قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الرِّدَّةِ، دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ الْعَقِيدَةِ، وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ.
(حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ) : 5 - لِتَارِكِ الصَّلَاةِ حَالَتَانِ: إمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا جُحُودًا لِفَرْضِيَّتِهَا، أَوْ تَهَاوُنًا وَكَسَلًا لَا جُحُودًا. فَأَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى: فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ جُحُودًا لِفَرْضِيَّتِهَا كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كُفْرًا كَجَاحِدِ كُلِّ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ جَحَدَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَهَا جَاهِلًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ