نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: إذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوَا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوك أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك وَذِمَّةَ أَصْحَابِك، فَإِنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ. وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَصِيَّةِ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: {فَادْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ; وَلِأَنَّهُمْ بِالدَّعْوَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدِّينِ لَا عَلَى سَلْبِ الْأَمْوَالِ وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ، فَلَعَلَّهُمْ يُجِيبُونَ فَنُكْفَى مُؤْنَةَ الْقِتَالِ} . قَالَ الْمَالِكِيَّةُ. وَدَعْوَةُ الْكُفَّارِ وُجُوبًا إلَى الْإِسْلَامِ تَسْتَمِرُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً، فَإِذَا دُعُوا أَوَّلَ الثَّالِثِ قُوتِلُوا فِي أَوَّلِ الرَّابِعِ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ فِيهِ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَامْتِنَاعِهِمْ، وَلَا تَجِبُ دَعْوَتُهُمْ لِلْإِسْلَامِ لَا فِي بَقِيَّةِ الثَّالِثِ، وَلَا فِي أَوَّلِ الرَّابِعِ. ثُمَّ إنْ أَبَوْا قَبُولَ الْإِسْلَامِ دُعُوا إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إجْمَالًا، إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ تَفْصِيلِهَا بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ فِيهِ غَدْرُهُمْ لِكَوْنِهِمْ تَنَالهُمْ فِيهِ أَحْكَامُنَا، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يُجِيبُوا أَوْ أَجَابُوا وَلَكِنْ بِمَحَلٍّ لَا تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فِيهِ، وَلَمْ يَرْتَحِلُوا لِبِلَادِنَا قُوتِلُوا وَقُتِلُوا. وَلَوْ قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ أَثِمُوا لِلنَّهْيِ، وَلَا يَضْمَنُ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا مِمَّا أَتْلَفُوهُ مِنْ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ الْإِثْمِ، وَهَذَا لِعَدَمِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الدِّينُ، أَوْ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ، فَصَارَ كَقَتْلِ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ. هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ وُجِدَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ دُعُوا قَبْلَ الْقِتَالِ. أَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ دَعْوَتُهُمْ ; لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا نَادِرٌ بَعِيدٌ. ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ الْفَتْحِ: أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْ وَانْتَشَرَتْ، وَلَكِنْ إنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ خَلْفَ الرُّومِ وَخَلْفَ التُّرْكِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {إذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ. . .} الْحَدِيثَ. وَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَنْ قَارَبَ الدُّرُوبَ فَالدَّعْوَةُ مَطْرُوحَةٌ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يُدْعَوْنَ إلَيْهِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَمِنْ طُولِ مُعَارَضَتِهِمْ لِلْجُيُوشِ وَمُحَارَبَتِهِمْ لَهُمْ، فَلْتَطْلُبْ غِرَّتَهُمْ. وَلَا تُحْدِثُ لَهُمْ الدَّعْوَةَ إلَّا تَحْذِيرًا وَأَخْذَ عِدَّةٍ لِمُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْعًا لِمَا رَجَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ. قَالَ مَالِكٌ: إذَا عَاجَلَك أَهْلُ الْحَرْبِ عَنْ أَنْ تَدْعُوَهُمْ فَقَاتِلْهُمْ، وَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ أَتَوْا إلَى